الصفحة 360 من 379

"وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ..".

إنه تحذير شديد للمؤمنين أن يقعدوا مع الكافرين والمنافقين وهم يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها، حتى ليقول لهم"إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ".

نعم! إنه يحذرهم وهم في أول خطوة في الطريق، لأن نهاية الطريق هي الكفر الحقيقي الذي لا شك فيه.

إن الحس ليتبلد على الأمر المكرور!

وما لم يحسم الإنسان أمره منذ الخطوة الأولى على المنزلق ويرجع عنه، فإنه عرضة لمزيد من الانزلاق يصل به إلى الهاوية.

كذلك يحدث في حياة الفرد، وحياة الجماعة، وحياة الأمة ..

والقرآن يحدثنا:"لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" [1] . والرسول صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن هذا الأمر ذاته: إن أول ما بدأ الفساد في بني إسرائيل أن أحدهم كان يلقى صاحبه الذي كان يعيب عليه فعله بالأمس فيجده على حاله من المنكر فلا يمنعه ذلك أن يكون جليسه وأكيله وشريبه فلعنهم الله.

وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا في المجتمع الذي يملك الإنسان فيه أمره، ويملك أن يوجه إلى أخيه الأمر والنهي، فإن الحالة التي نزلت فيها هذه الآية لم يكن المسلمون فيها قد تمكنوا إلى الحد الذي يجعلهم يستطيعون منع أولئك الكفار والمنافقين من التعالن بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها. لذلك كان المطلوب من المؤمنين فقط ألا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وهو أقل ما يجب على المؤمن في هذه الحالة. فإن لم يفعله -رهبة أو مجاملة أو لأي سبب من الأسباب- فقد وضع قدمه على المنزلق الذي يؤدي إلى الكفر الصريح.

وقفة ثانية أشرنا إليها من قبل ولا بأس من العودة إليها هنا في مكانها، وهي أن مجرد القيام ببعض شعائر التعبد -في ذاته- لا يعطي الناس صفة الإيمان ولا صفة الإسلام فالآية هنا تقول عن المنافقين:

"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلًا".

فالمحك الحقيقي للإيمان -الذي ينقصهم- هو التحاكم إلى شريعة الله، والرضى بها، والتسليم، كما جاء في الآية [65] من قبل:

"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".

وإذا لم يفعلوا ذلك فهم منافقون، وإن تظاهروا بالإسلام وأدوا بعض شعائر التعبد أو حتى كلها مع المؤمنين! لأن النصوص صريحة في أن الذين يعطيهم صفة الإيمان ليس هو القيام بشعائر التعبد، إنما التحاكم والرضى والتسليم.

ولا يتعارض مع هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان"فمن البديهي أن يكون هذا الرجل الذي يطلب الرسول صلى الله عليه وسلم له الشهادة بالإيمان، مسلّما لحكم الله ورسوله، مذعنًا له. وإلا فلن يشهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان، ولن يطلب من أحد من المؤمنين أن يشهد له بالإيمان!

(1) سورة المائدة: 78 - 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت