الصفحة 361 من 379

والوقفة الأخيرة مع الآية التي تختم الحديث عن المنافقين، الذين قال عنهم في الآية السابقة لها مباشرة إنهم في الدرك الأسفل من النار:"إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ..".

انظر كم شرطًا من الشروط فرضها السباق عليهم: تابوا، وأصلحوا، واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله ..

ثم بعد ذلك كله لم يقل فأولئك من المؤمنين! إنما قال:"فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ"!

بينما قال عن الكفار الصرحاء في سورة التوبة:"فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ .." [1] .

ذلك أن النفاق أسوأ بكثير من الكفر الصريح. والكافر الصريح مستقيم الطبع ولكن على قاعدة منحرفة. فإذا قوّمت له القاعدة التي يقف عليها استقام أمره كله. أما المنافق فذو تركيبة نفسية سيئة غاية في السوء، لذلك يحتاج إلى إصلاح كثير طويل حتى يستقيم .. ومن هنا كانت هذه الشروط كلها .. ثم هذه النتيجة في نهاية المطاف!

ثلاث آيات هنا تفصل في السياق بين الحديث السابق عن المنافقين، والحديث اللاحق عن أهل الكتاب، في موضوعين مختلفين:

"مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا".

"لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا، إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا".

فأما الآية الأولى فقد جاءت بعد الحديث المفصل عن المنافقين، وبعد الوعد لهم بأن يكونوا مع المؤمنين إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله. وهي أحرى بأن تكون تعقيبًا ختاميًا للحديث عن المنافقين. كأنما يقول السياق: إنهم إن تابوا فإن الله لن يعذبهم، فما يفعل الله بعذابهم إن شكروا وآمنوا؟!

ومع ذلك فالنص عام، والخطاب فيه كأنه موجه إلى الناس جميعًا:"مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ".

وإنه لتعبير موح عجيب ..

فإن الله لا يحب ابتداء تعذيب الناس! فماذا يفعل بعذابهم؟

إنما يعذبهم لأنهم يكفرون. وحين يكفرون فإنهم يخرجون على العبودية الواجبة في حق الله، يخرجون على ناموس الكون كله، العابد لمولاه، ثم يحدث الفساد في الأرض نتيجة ذلك الكفر، واتخاذ شرائع ومناهج من صنع البشر بدلًا من شريعة الله.

أما إن شكروا وآمنوا .. فما يفعل الله بعذابهم؟ بل يقول:"وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا".

والشكر من الله ليس بطبيعة الحال كالشكر من العبد. فكل الأفعال والصفات تختلف بالقياس إلى الله عنها بالقياس إلى العبد. والشكر من الله هو الرضى على عبده، وما بصاحب الرضى من الثواب. ومع ذلك فإن استخدام لفظ الشكر جزاء على إيمان العبد يلمس قلبه لمسة عميقة، تعمّق الإيمان وتستحييه ..

أما الآيتان التاليتان فتتحدثان عن كراهية الله عز وجل للجهر بالسوء من القول .. إلا من ظلم.

إنه توجيه من التوجيهات الكثيرة التي تتربى عليها الأمة المسلمة، والتي ترد في ثنايا السورة. يذكرنا بما جاء في سورة آل عمران:

"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [2] .

(1) سورة التوبة: 11.

(2) سورة آل عمران: 133 - 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت