ولقد قلنا هناك إنه تصفية لنفوس المسلمين كجزء من الإعداد للمعركة .. وهنا نقول كذلك إن المعركة مع أعداء لا إله إلا الله، من منافقين ومشركين وأهل كتاب، تحتاج إلى صف متكاتف متساند لا توجد فيه ثغرات. فمن هذه الثغرات ينفذ دائمًا أعداء الله. وفي سبيل تصفية النفوس من أضغانها، وفي سبيل تماسك الصف وإزالة الثغرات يأتي هذا التوجيه:
"لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ ..".
إن السوء من القول هو مهاجمة الآخرين وسبهم وقذفهم أو غمزهم ولمزهم واتهامهم بالسيئ من الصفات والسيئ من الأعمال. ولا يستقيم حال جماعة -ولا أمة- تنتشر فيها مقالة السوء بالحق والباطل. ولا بد من قيد على اللسان حتى لا ينفلت بالكلام بغير حق. والقيد لا يكون إلا في الضمير المتصل بالله، ذي الحساسية لما يحبه الله وما لا يحبه من القول والفعل.
وهذه الأمة تربى على هذه الحساسية تجاه أوامر الله وتوجيهاته. فيكفى أن يقال لها إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول لكي تمتنع عنه وتلتزم بنهي الله عنه.
"إِلاَّ مَن ظُلِمَ ..".
هذا الذي يباح له أن يجهر بالسوء من القول. يجهر بأنه مظلوم. وأن فلانًا من الناس هو الذي ظلمه. ولكن الكلام لا يكون هكذا اعتباطًا بغير بينة. فإنما يباح للمظلوم أن يجهر بما أصابه من الظلم -مع تقديم البينة عليه- لطلب النصفة وإحقاق الحق."وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا"يعلم إن كان هذا الجاهر بالسوء مظلومًا حقًا أو مفتريًا على الناس بغير حق.
ومع ذلك .. مع هذه الإباحة .. فليست هذه هي الطريقة المثلى التي يحبها الله! إن المظلوم يباح له أن ينفس عن ألمه بالجهر بالسوء من القول، ولكن التوجيه الرباني الموحي هو العفو والتسامح والارتفاع على الضغينة!
"إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا".
أرأيت إلى التوجيه اللطيف بعد إباحة الجهر بالسوء؟! إنه يتحدث عن"الخير"بدلًا من"السوء"! ويتحدث عنه في جميع صوره: باديًا أو خافيًا! ويخص من الخير العفو عن السوء!
ولكن أي عفو هو؟ عفو الذليل العاجز الخانع يخنع للظلم ويزعم أنه متسامح؟!
كلا! إن هذا أمر لا يحبه الله ورسوله، ولا يرضى به الإسلام. إنما هو"العفو عند المقدرة"كما يشير إيحاء الآية:"إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا".
فهذا هو العفو الذي يحبه الإسلام، والذي يصفي النفوس حقًا، ويربط الصف المسلم برباط من الحب يتماسك به في وجه الأعداء.
ينتقل السياق بعد ذلك إلى فريق آخر من أعداء الإسلام: اليهود.
ويستغرق الحديث المتصل عنهم اثنتي عشرة آية متوالية [150 - 161] تروي سجلًا كاملًا عن أفاعيل اليهود في تاريخهم المليء بالأفاعيل: فمن قولهم: أرنا الله جهرة وأخذ الصاعقة لهم بظلمهم، إلى اتخاذ العجل من بعد ما جاءتهم البينات، إلى أخذ الميثاق الغليظ منهم تحت الصخرة ثم نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، وتقولهم على مريم البتول واتهامهم لها بأبشع التهم، وقولهم إنهم قتلوا المسيح ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم ..
ويعقّب على هذا السجل الحافل من المخازي بقوله تعالى:
"فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا".
ولما كان بعض اليهود قد آمن إيمانًا صادقًا فهم مستثنون من هذا الحكم: