الصفحة 363 من 379

"لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا".

وبمناسبة أولئك المؤمنين يذكر حقيقة رئيسية في تاريخ الرسل وفي حياة البشرية:

إن ما أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو ذاته الذي أوحي إلى النبيين من قبل: لا إله إلا الله. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .. وإنهم كلهم قد بعثهم الله لغاية واحدة:"لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ":

"إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا".

إنه وحي واحد للرسل جميعًا، وغاية وحده ..

إن الله -من رحمته- لم يأخذ الناس بميثاق الفطرة وحده:

"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" [1] .

ومن رحمته كذلك أنه لم يكلهم إلى أنفسهم، وهو يعلم -سبحانه- أنهم عرضة للهوى والانحراف والضلال وانتكاس الفطرة. إنما أرسل إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين"لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ".

نعم. إنها رحمة الله، بعدما أودع الفطرة أن تتجه إليه سبحانه وتعبده، وبعدما أعطى الإنسان من أدوات المعرفة ما أعطى:"وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [2] ألا يكلهم إلى ذلك وحده، وألا يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولًا ينذرهم ويبشرهم:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" [3] .

ومن كرمه سبحانه يقول:"لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ".. فكأنما كانت لهم حجة على الله لو لم يبعث إليهم رغم إشهاد الفطرة ورغم إعطاء السمع والأبصار والأفئدة للناس!!

ومع ذلك ينكرون .. ويتبجحون .. ويكفرون.

فأما بالنسبة لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم فالله يشهد:

"لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا".

ومن ثم يعنف السياق على المنكرين. ويأخذ اليهود والنصارى في الطريق، ويوجه الخطاب إلى الناس جميعًا بشأن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ثم إلى أهل الكتاب ليكفوا عن انحرافاتهم ويؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالرسل جميعًا على استقامة:

(1) سورة الأعراف: 172.

(2) سورة النحل: 78.

(3) سورة الإسراء: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت