"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا ..".
ثم يقول لهم إن المسيح الذي يزعمونه ربًا وإلهًا لن يستنكف أن يكون عبدًا لله، وكذلك"روح القدس"جبريل، فما بالهم هم؟!
"لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا".
ثم يجيء في ختام السورة هذا النداء الرفيق للناس .. للناس جميعًا .. ولنذكر أن النداء في مفتتح السورة كان للناس جميعًا كذلك:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا".
إنه ختام الجولة الطويلة مع الناس (فيما عدا آية واحدة هي الختام النهائي للسورة عن موضوع الكلالة) . جولة تناولت الإيمان والمعتقدات، والأفكار والمشاعر، والسلوك ودوافعه المختلفة، ومواقف الطوائف المختلفة عن البشر من القضية الرئيسية في حياة الإنسان: قضية الإيمان. قضية لا إله إلا الله، ومقتضيات لا إله إلا الله. وتناولت بالتربية والتوجيه تلك الأمة المسلمة لتعدها لأمانتها الكبرى تجاه نفسها وتجاه الناس ..
إنه نداء رفيق، يحبب إلى الناس الإيمان بعد هذه الجزلة الطويلة مع المؤمنين والزائغين ..
وإنها لمن المواضع القليلة جدًا في القرآن، التي يذكر فيها جزاء المؤمنين وحدهم، دون أن يذكر في مقابلها جزاء الكافرين!
إنه نداء للتحبيب .. وليس للإنذار والوعيد!
أما الختام الأخير للسورة فهو رد على فتوى المستفتين عن الكلالة، وهو موضوع سبق ذكره في السورة. وإن طلب الفتوى -كما قلنا من قبل- لهو علامة من علامات الإيمان والتسليم. وإن إعطاء التقوى لهو بيان ورحمة من رب العالمين:"يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".
والآن وقد استعرضنا هذه السور الثلاث: البقرة وآل عمران والنساء تتضح لنا معالم رئيسية نعود إليها بإيجاز:
أولًا: أن العقيدة -بكل موضوعاتها- هي العنصر الرئيسي في القرآن كله، مكية ومدنية سواء. وأنها في السورة المدنية هي المجرى الحي الذي تستنبت على جانبيه التوجيهات والتشريعات والتنظيمات، مربوطة كلها برباط العقيدة ومنبثقة منها.
ثانيًا: أن السورة وإن طالت وتعددت موضوعاتها ذات وحدة شاملة تربط بين موضوعاتها بصورة ملحوظة.