الصفحة 57 من 379

لا نسألهم عن ذلك لأن القرآن يبين لنا حقيقة أمرهم:"إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ".

ونقول فقط إن هذا القرآن للبشرية كافة، على اختلاف مستوياتها النفسية والروحية والاجتماعية والحضارية. وأن كل مستوى من البشر يجد فيه حاجته، ويجد انعكاس نفسه فيه كما ينظر في المرأة .. ويتفاعل معه بقدر ما يفتح قلبه وبصيرته إليه.

ثم نقول إنه لا يوجد الإنسان الواحد في البشرية كلها الذي يعيش بمعنوياته وحدها دون حسياته .. وإنه إذا كان الإنسان -في أرقى حالاته- يستطيع أن يرفرف في عالم الروح لحظة، ويهوم في عالم المعنويات لحظات، فإن هذا لا يمكن أن ينسيه جسده وحواسه، وإلا فقد بشريته وأصبح شيئًا آخر غير"الإنسان".. إنما"الإنسان"هو ذلك المزيج المترابط من الجسد والروح، من الحسي والمعنوي .. لا ينفصلان.

والقرآن -بواقعية منهجه في معالجة النفس الإنسانية- يأخذ الإنسان كما هو، ويخاطبه بالطريقة التي يعلم الله سبحانه أنها هي التي تؤثر فيه، وتصل إلى أعماق قلبه. وتهزه فيستجيب .. ومن هنا يحدثه عن النعيم الحسي والعذاب الحسي مرة، وعن النعيم النفسي والعذاب النفسي مرة .. ويزاوج بينهما مرات!

والله هو العليم ببواطن النفوس .. بما فيها نفوس أولئك"المثقفين"الذي يزعمون الترفع على المتاع الحسي وهو نظيف، ثم يغرقون في المتاع الدنس إلى الأذقان!

والأمر الذي يلفت نظرنا أخيرًا في حديث القرآن عن الآخرة، أنه -بطريقته التعبيرية المعجزة- يحيي مشاهد القيامة حتى لكأن الإنسان يراها معروضة أمامه اللحظة، وينفعل بها كأنه يراها في عالم العيان بالفعل، وليست أمورًا يتصور حدوثها في المستقبل .. بل يصل الإعجاز البياني في التعبير القرآني إلى حد أن تصبح الآخرة -التي لم تأتي بعد- كأنها الحاضر الذي يعيشه الإنسان، ويصبح الحاضر الذي يعيشه بالفعل كأنه ماض سحيق تفصله عن الإنسان آماد وأبعاد:

"إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ" [1] .

"إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ، وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ" [2] .

إن الذين كانوا من قبل يدعون الله .. والذين كانوا قبل ذلك مترفين .. هم هم الأحياء الذين يخاطبهم القرآن في وقت تنزله عليهم. ولكن السياق القرآني يسحب شريط الزمن كله، حتى ليصبح حاضرهم الذي يعيشونه بالفعل هو الماضي السحيق الذي يتذكرونه اليوم مجرد تذكر، ويصبح المستقبل البعيد المغلف بأستار الغيب هو الحاضر المشهود الذي يرونه بأعينهم .. وذلك هو ذات المقصود من التعبير القرآني .. فالهدف المطلوب هو أن يَبْرُز للناس وهم يقرأون القرآن مصيرهم يوم القيامة مجسمًا واضحًا بحيث يستيقنون من هذا المصير .. فيؤثر ذلك بالتالي في سلوكهم الحاضر، فيؤمنون ويعملون الصالحات لينعموا بهذا النعيم الذي يرونه مجسمًا أمامهم، ويتركون ما يجر عليهم العذاب الذي يشاهدونه مجسمًا كذلك .. والإعجاز البياني يصل إلى هذا التأثير بكلمات قليلة، تحمل من النبض والإيقاع والصور الحية الشاخصة ما يطوي الزمن كله في لحظات .. أو في كلمات!

هذا التصوير المبدع لمشاهد القيامة، هو الذي جعل الجيل الأول من المسلمين يعيش بوجدانه في الآخرة وهو يخطو بجسده على الأرض. وأوجد في نفوسهم تلك الحساسية الهائلة في كل تصرف يتصرفونه، خشية أن يحرمهم من النعيم ويؤدي بهم إلى النار ..

(1) سورة الطور: 28.

(2) سورة الواقعة: 45 - 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت