الصفحة 74 من 379

هذا الهدف من أهم أهداف القصص القرآني في الحقيقة. ويبدو بارزًا شديد البروز من خلال السرد القرآني، وتتخذ له وسائل شتى. فأحيانًا يُوَحد أسلوب القصص [مع التنويع الواضح في القرآن] [1] بحيث تجيء العبارة موحدة على لسان كل رسول، في الشريط المتتابع للرسل: كل رسول يقول الكلمة ويمضي، ويأتي مَنْ بعده بنفس الكلمة بلا تغيير. وتارة يقال عن قوم معينين إنهم كذبوا"الرسل"مع أنهم لم يرسل إليهم إلا رسول واحد، ليوحي التعبير بأن تكذيب الرسول الواحد هو بمثابة تكذيب الرسل كلهم، لأنهم كلهم يقولون ذات الشيء بلا تغيير. فمن كذب واحدًا منهم فقد كذبهم جميعًا .. وتارة يقال عن أقوام متعددين إنهم عصوا"رسول"ربهم، فيوضح ذلك أن كل أمة كذبت رسولها، ويوحي في ذات الوقت أنه كأنما هو رسول واحد الذي بعث إلى هذه الأقوام جميعًا، لأنهم -على اختلاف أقوامهم، وأزمانهم وأماكنهم ولغاتهم- قد قالوا ذات الكلمة، وعرضوا ذات القضية .. ومن هنا فالرسل جميعًا كأنهم رسول واحد يتكرر لكل قوم من الأقوام!

فمن أمثلة النوع الأول ما جاء في سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء بصفة خاصة:

"لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ... وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ .. وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً ... وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ ..." [2] .

"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ، أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ... وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ... وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ... وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ..." [3] .

(1) انظر بشأن التنويع فصل"ظاهرة التكرار في القرآن"فيما يلي من فصول الكتاب.

(2) سورة الأعراف: من 59 - 85.

(3) سورة هود: 25 إلى 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت