وليس هناك لبس على الإطلاق في أن المتكلم اثنان معًا لا واحد، لأن الأمر صادر إليهما معًا:"فقولا"، ولأنهما يقولان:"أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ"فموسى وهرون يتكلمان معا .. وحتى لو فرضنا أن موسى وحده هو الذي يتكلم باسميهما معا فهو يقول"إنا"ولا يقول:"أنا".. أي أنه يتكلم بضمير المثنى لا المفرد، ومع ذلك يقول"إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ"لأنهما -وهما شخصان- يقومان بمهمة واحدة ورسالة واحدة فكأنهما رسول واحد!
هذه القضية كما قلنا ذات أهمية خاصة في القرآن، وأن توحيد الألوهية هو القضية الكبرى في حياة البشرية، بحيث يرسل الرسل المتتابعون من أجلها وحدها، وكل شيء بعد ذلك مترتب عليها ..
فضلًا على هذا الجانب الاعتقادي، فإنه يعطي شعورًا"بالانتماء"إلى أمة كبيرة موحدة على تتابع الأجيال:
"إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" [1] .
ويبدو الذين لم يؤمنوا برسلهم، أو كذبوا أي واحد من أمة الرسل المتتابعة الموحِّدة، نشازًا في هذا الخط المتتابع المتصل الموحّد .. نشازًا لا وزن له وإن كثر، ولا اعتبار له وإن تعدد .. لأنه خارج على"النظام"!
ومن الأهداف كذلك، الموازية في أهميتها لقضية وحدة الرسالة ووحدة الرسل إبراز الموقف الموحد الذي تقفه الجاهليات جميعًا من رسلها الذين أرسلوا إليها!
فكما أنها رسالة واحدة مكررة، وإن اختلف الأشخاص واللغات، والزمان والمكان، فهي كذلك جاهلية واحدة مكررة، وإن اختلف الأشخاص واللغات، والزمان والمكان .. !
"كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ" [2] .
إن موقف الجاهلية واحد من كل رسول: التكذيب والإعراض .. ثم التشهير بالرسول حين يتضح أنه مصر على دعوته لم ينته عنها إعراض ولا تكذيب .. ثم التهديد بالأذى له والذين آمنوا معه .. ثم تنفيذ التهديد أحيانًا أو الحيلولة دون ذلك بقدر من الله ..
قصة مكرورة لم تتخلف مرة .. إلا مرة واحدة في التاريخ كله سجلها القرآن للعبرة:
"فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ" [3] .
والآية مع ذلك لم تنف موقف الإعراض الأول الذي كان من قوم يونس .. إنما تسجل فقط أنهم -في النهاية- آمنوا! فلما آمنوا كشف الله عنهم ما هددوا به من عذاب الخزي في الحياة الدنيا ...
ما السر يا ترى في هذا الموقف الواحد المكرر الذي تقفه الجاهلية من رسلها:
(1) سورة الأنبياء: 92.
(2) سورة الذاريات: 52 - 53.
(3) سورة يونس: 98.