الصفحة 78 من 379

ما السر في هذا الموقف الموحد من الجاهلية تجاه الرسول الذي يدعوها للا إله إلا الله؟

نلحظ في الآيات دائمًا أن الملأ هم الذين يبدأون بالتكذيب .. ثم هم الذين يتحرشون ويهددون ..

وفي كل مجتمع جاهلي لا بد أن يوجد"ملأ"هم السادة و"شعب"من العبيد .. والملأ في المجتمع الجاهلي هم الذين"يملكون"و"يحكمون".. وهم بطبيعة الحال الذين يشرعون من عند أنفسهم، بما يحفظ سلطانهم على أولئك"العبيد"، يسخرونهم لمصالحهم، ويستعبدونهم لأنفسهم .. كان ذلك في كل جاهلية من جاهليات التاريخ بلا استثناء ..

وهؤلاء الملأ المستولون على السلطة بهذه الصورة يكرهون -دائمًا- دعوة لا إله إلا الله، ولا يطيقونها، ويتصدون لحربها، ويصرون على القضاء عليها بكل وسيلة في أيديهم .. إلا أن يتدخل قدر حاسم من عند الله فيهلكهم وينقذ المؤمنين منهم. فأي شيء في دعوة لا إله إلا الله يهيجهم إلى هذا الحد .. إلى حد أن يرتكبوا كل جريمة بما في ذلك جرائم القتل والاغتيال للقضاء على هذه الدعوة، فضلًا على تسخير طاقتهم كلها في التشنيع عليها وعلى داعيتها، وتنفير الجماهير منها، بل كذلك استغلال"الدهماء"في الحرب ضدها ومحاولة القضاء عليها؟!

إنه لا يتبين لنا السر في ذلك الموقف العجيب، الذي يتكرر بصورة أعجب .. إلا إذا أدركنا المعنى الحقيقي لهذه الكلمة التي يبعث بها كل رسول: لا إله إلا الله .. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ..

لو أنها كانت"كلمة"تقال، فماذا يضبر الملأ منها فيحشدوا طاقتهم لحربها بهذه الصورة العصبية التي لا تقبل توقفًا ولا تفاهمًا ولا مهادنة؟

إنما مدلول هذه الكلمة البسيطة غاية البساطة، الخطيرة غاية الخطورة، هو الذي يهيج الملأ في الجاهلية إلى هذا الحد!

إن مدلولها ببساطة أن الولاء لله وحده، والعبادة لله وحده، والطاعة لله وحده ..

والملأ في الجاهلية يريد ببساطة أن يكون الولاء له وحده، والطاعة له وحده ومن ثم فالعبادة له وحده، حتى وإن لم يصحبها في كل حالة شعائر التعبد التي كانت توجه إلى فرعون .. وإنما هي عبادة الطاعة وعبادة الولاء [1] ..

ومن ثم يقع الصدام -الحتمي- بين الملأ وبين دعوة لا إله إلا الله ..

لا إله إلا الله معناها أن"السلطة"لله وحده .. وأن الذي يحق له أن"يحكم"، وأن يحلّ ويحرم، ويحسِن ويقبّح، ويبيح ويمنع .. هو الله.

والملأ يريد أن تكون السلطة بيده، وأن يكون هو الذي يحكم، ويحل ويحرم على هواه ..

ومن هنا لا يطيق الملأ أن يرى ذلك الرجل الذي يقول: لا إله إلا الله (عليه صلوات الله وسلامه) . إن مجرد رؤيته يثير أعصابهم! ويحفزهم لمحاربته .. !

إنهم كاللص الذي يرى رجل الشرطة! إنه يتصور في الحال أنه جاء ليسترد ما في يديه من المال المغصوب!

وهم قد تحلو لهم السلطة فينسون فترة أنها مسروقة! وما دام لا يوجد من يطالب بها فهي آمنة في أيديهم! ولكن ظهور هذا الرجل الذي يقول لا إله إلا الله، يردهم في الحال إلى الحقيقة، إن كانوا نسوها أو تناسوها .. يردهم إلى أن صاحب السلطة التي في أيديهم هو الله. وأنهم إنما اغتصبوا هذه السلطة من صاحبها الحقيقي وهو الله ..

(1) تقول الشيوعية إن البشرية كانت في عبودية مستمرة -وإن اختلفت صورها- في جميع عهود العبودية الأولى ثم الإقطاع ثم الرأسمالية. ونحن نضيف: ثم الشيوعية كذلك! ولسنا نوافقهم على حصر العبودية في الاستغلال الاقتصادي، فهو لون واحد من ألوان العبودية وليس هو وحده الذي يلغي كرامة"الإنسان".. إنما تلغيها العبودية لغير الله أيًّا كانت. إنما نحن نسجل فقط ظاهرة العبودية"في كل جاهلية في التاريخ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت