واللص العادي قد يتوارى ويهرب .. ولكن مغتصب السلطة هذا يغريه ما في يده من سلطة مغتصبة بمقاتلة ذلك النذير الذي جاء ليعلن رد السلطة إلى صاحبها .. ويرى النذير أعزل من كل سلاح .. جاء فقط بشخصه، وبالكلام الذي يتكلم به .. فيحاول أن يهون من شأنه، وإن كان يعلم في دخيلة نفسه أنه خطير! ومن ثم يلجأ إلى"تشويه سمعته"في بادئ الأمر: ساحر .. مجنون .. كذاب .. أو .. يريد أن يستولي على الحكم!! كما قال ملأ فرعون لموسى وهرون:
"قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ" [1] .
ولكن الرسول المبعوث من عند الله، المطمئن إلى الحق الذي يدعو إليه، المستوثق من حقيقة الألوهية، لا تثنيه تلك"الدعاية"التي يقيمها الملأ ضده .. فيمضي في الدعوة .. ويؤمن به نفر من الناس قليلون في بادئ الأمر .. ولكن هذا النفر -رغم قلته- يزعج أصحاب السلطان إزعاجًا يفقدون معه أعصابهم!
إن الأمر لو ترك على هذه الصورة فسوف يتفلت"العبيد"من بين أيديهم واحدًا إثر واحد .. ويتحررون من ربقتهم .. فهل يسكتون على هذا الأمر الجلل؟ وماذا يبقى لهم من السلطة إذا استمر هذا الأمر؟ وكيف يتحقق لهم"الكبرياء في الأرض"إذا لم يبق من يتكبرون عليه؟!
لا بد من إجراء ليقف هذا الأمر ..
فليكن البدء هو محاولة تنفير"الدهماء"من هذه الدعوة ..
إنها دعوة جاءت لتفريق وحدة الشعب! ألستم ترون أن الذين يعتنقونها يكونون لأنفسهم فريقًا متميزًا عنكم؟! ألستم ترون أنهم يفسدون عليكم أبناءكم فلا يعودون يطيعونكم؟ ثم إنهم يفسدون في الأرض!!
ولكن الحق له جاذبيته .. ومهما شوه فسيظل يجذب الناس ..
لا بد من إجراء أشد حسمًا .. التهديد!
كل من يقترب من هذه الدعوة فهو"خارج"علينا .. وسنعامله بأقصى درجات العنف!
وى!! لكأن التهديد لا يجدي! فالذين آمنوا باقون على ما هم عليه، ويتزايدون!
إذن لا بد من تنفيذ التهديد!
وهنا يبدأ الاضطهاد بشتى صنوفه وصوره .. يختلف من جاهلية إلى جاهلية ولكنه في جوهره واحد! يبدأ"بإخراج"المؤمنين من أموالهم وديارهم وأمنهم وراحتهم .. وينتهي بأمر فرعون:"لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ".
دورة واحدة ودور واحد تقوم به الجاهلية دائمًا إزاء هذه الدعوة البسيطة غاية البساطة، الخطيرة غاية الخطورة. دعوة لا إله إلا الله!
والقرآن يبرز هذا الدور إبرازًا شديدًا في قصص الأنبياء ..
وقد كان من أهداف هذا الإبراز ولا شك أن يقال للرسول -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين: إن ما تفعله بكم جاهلية قريش من اضطهاد وتعذيب، هو هو الذي صنعته كل جاهلية من قبل في التاريخ .. ثم كانت النهاية دائمًا هي انتصار الحق والتدمير على المكذبين:
"فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ" [2] [نوح] .
"فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ" [3] [هود] .
"فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ، فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ" [4] [صالح] .
(1) سورة يونس: 78.
(2) سورة الأعراف: 64.
(3) سورة الأعراف: 72.
(4) سورة الأعراف: 78 - 79.