"فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ" [1] [لوط] .
"فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ، الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ، فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ" [2] .
كان هذا هدفًا قائمًا بالنسبة للمؤمنين إزاء اضطهاد قريش لهم وقت نزول هذا القرآن .. ولكنه هدف قائم أبدًا طالما كانت في الأرض جاهلية من أي نوع، ودعاة يدعون للا إله إلا الله، فيضطهدون ويعذبون ويقتلون ..
هدف أخير من القصص القرآني ربما لم يكن منصوصًا عليه في القصص ذاته، ولكنه مفهوم من سياق القصص أولًا، ومنصوص عليه كذلك في مواضع أخرى من القرآن، كما جاء في أول سورة العنكبوت:
"الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ".
إنها إذن سنة دائمة، وليست حادثًا عارضًا يحدث لبعض المؤمنين!
الابتلاء لا بد أن يحدث للمؤمنين! لا بد أن تواجههم الجاهلية بالإيذاء بشتى صنوفه .. ثم يبقون في هذا الإيذاء فترة لا ينصرهم فيها الله، إنما يملى للطغاة فينتفشون، ويزيدون طغيانًا بما يحدث لهم من الغلبة على المؤمنين!
والله هو القادر على كل شيء!
ولو شاء الله سبحانه أن يدمر على الطغاة منذ أول لحظة يتعرضون فيها لدعوته .. لفعل .. لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض ..
ولكنه -سبحانه- لا يشاء ذلك!
وليس في مرة عارضة، ولكن في كل مرة!
في كل مرة يترك المؤمنين يلقون من صنوف العذاب ما يلقون .. ثم لا ينصرهم وهم على الحق، وإنما ينصر الطغاة وهم على الباطل!
نعم .. ولحكمة يصنع الله ذلك .. لا مفارقة للمؤمنين من عباده ولا قِلي لهم:
"مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" [3] .
وإنما رحمة بهم ورعاية!!
نعم! إنه يعدّهم لأمر جسيم .. يعدهم لحمل دعوته .. يعدهم لأخطر مهمة في هذا الكون كله .. لحمل الأمانة!
وليس من الرحمة ولا الرعاية أن يحملهم الحمل وهم بعد في غضاضتهم وليونة عضلاتهم!
لا بد من تدريب ..
إنه تدريب خشن نعم! ولكن العبرة بالخواتيم! فكيف هم بعد التدريب؟! تعال فانظر إليهم! هل تعجبك اليوم متانة تركيبهم وقوة بنيانهم؟! هل تطمئن إلى قوة تحملهم؟!
نعم .. تلك رحمة الله ورعايته ..
يصبهم صبًا متينًا ليقيم البناء فوقهم، فلا البناء ينهدم ولا هم يستثقلون الحمل فوق أكتافهم فقد تدربوا عليه!
وفي الوقت ذاته يزداد الطغاة طغيانًا:"لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ" [4] .
وبقدر واحد يزداد الذين آمنوا إيمانًا والذين طغوا طغيانًا وكفرًا ..
ويكون لأولئك النعيم الخالد الذي لا ينفد، ولهؤلاء عذاب لا يفتر ..
أهي صفقة خاسرة في النهاية؟
وهب أن إنسانًا قد احتمل من العذاب ثم وافاه أجله قبل أن يرى النصر .. فهل هي صفقة خاسرة في النهاية؟
"يؤتى بأشد أهل الأرض شقاء يوم القيامة فيغمس غمسة في النعيم فيقال له: هل رأيت شقاء قط؟ يقول: لا يا رب!".
وهذا من أول غمسة .. ولم يتذوق بعد حلاوة النعيم!
(1) سورة الأعراف: 83 - 84.
(2) سورة الأعراف: 91 - 93.
(3) سورة الضحى: 3.
(4) سورة النحل: 25.