ونفى الله في تلك الآية المحكمة أنه أمرهم بشيء خلاف ذلك، فدل ذلك - بالضرورة - على أن كل ما أمرهم به من التكاليف - ومن بينها تحكيم شريعة الله - لا بد أن يكون داخلًا في واحد من هذه الثلاثة ومتضمنًا فيه. فأين يا ترى يدخل الأمر بتحكيم الشريعة؟ أيدخل في إقامة الصلاة؟ أم في إيتاء الزكاة؟ أم إنه - بداهة - لا بد أن يكون متضمنًا في أصل العبادة، أي في أمر الله لهم أن يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء؟! ومن أجل ارتباطه المباشر بأمر العبادة - بأمر الإيمان - قال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) . (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) . (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (1) .
وكذلك الحال بالنسبة للأمة الأخيرة.. فقد قال أناس بأفواههم لا إله إلا الله محمد رسول الله، بل زعموا فوق ذلك أنهم مطيعون لله ورسوله، ثم دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فأعرضوا عن شريعة الله، فنفى الله عنهم الإيمان:
(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) . [سورة النور، الآيتان 47، 48] .
وبيّن تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يُحكّموا شريعة الله.
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) . [سورة النساء، الآية 65] .
وهكذا تتبين طبيعة التكليف العام الذي كلفه الله للمؤمنين جميعًا من كل الأمم، بما فيهم الأمة الأخيرة، وأنه يشمل العقيدة والشعيرة والشريعة كلها في آن واحد. كلها هي"العبادة"المطلوبة من المؤمنين. لا يجزئ بعضها عن بعض، ولا يؤدي واحد منها بمفرده إلى اتصاف الإنسان بالإيمان، ونقض أيٍّ منها نقص لجملة الإيمان.
(1) الكافرون والظالمون والفاسقون في الآيات الثلاث من سورة المائدة (44، 45، 47) كلها وصف لمن لم يحكم بما أنزل الله، فهم كافرون، وهم في الوقت نفسه ظالمون وفاسقون. وهذا أولى من القول بأنها درجات مختلفة في الحكم على العمل الواحد.