والإخلاص محله القلب، نعم، ولكن له شواهد تدل عليه، أو تدل على نقضه حين ينتقض. فمن اعتقد أن مع الله من يخلق أو يرزق، أو يُحيي أو يُميت، أو يضر أو ينفع، أو يُدبر الأمر فقد أشرك.
ومن توجه بشيء من شعائر العبادة لغير الله - معه أو من دونه - فقد أشرك.
ومن تحاكم راضيًا مريدًا عالمًا إلى شريعة غير شريعة الله فقد أشرك.
وقضية التشريع بالذات، وكونها متضمنة تضمنًا مباشرًا في لا إله إلا الله - بالنسبة للأمم المؤمنة جميعًا - قد تحتاج إلى شيء من البيان، إذا اعتبرنا أن قضية الاعتقاد وقضية العبادة من المسلمات التي لا يجادل فيها إنسان.
لقد أمر الله اليهود والنصارى بتطبيق ما أنزل إليهم من الشرائع، وشدد في ذلك الأمر حتى ربط ذلك التطبيق بالإيمان، وجعل عدم الحكم بما أنزل الله ناقضًا للا إله إلا الله، ومخرجًا لأصحابه من دائرة الإيمان.
يقول تعالى في شأن اليهود:
(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) . [سورة المائدة، الآية 44] .
ويقول جل شأنه عن النصارى:
(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) . [سورة المائدة، الآية 47] .
فبين تعالى بذلك أنه أمرهم أمرًا صريحًا - بل شدد عليهم - في التحاكم إلى الشريعة الربانية المنزلة إليهم في حينها، وجعل ذلك محكًا لإيمانهم. ومع ذلك فحين حدد الله ما أمرهم به فقد حصر الأمر حصرًا في هذه الأمور الثلاثة:
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) . [سورة البينة، الآية 5] .