الصفحة 130 من 251

ونعود إلى رسالة الأمة المسلمة..

إن لا إله إلا الله، التي جاء بها كل رسول من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الإيماني، الملبي للفطرة، والذي يصبح به الإنسان في أحسن تقويم كما خلقه الله:

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) . [سورة التين، الآية 4] .

(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .

[سورة الروم، الآية 30] .

"كل مولود يولد على الفطرة" (1) .

ولكن نوع الأساس وحجمه وطبيعته تتناسب دائمًا مع حجم البناء المقام فوقه ونوعه وطبيعته.

والبناء الذي أخرجت هذه الأمة لتقيمه هو أعظم بناء في تاريخ البشرية: هو تحقيق المنهج الرباني في عالم الواقع، في مواجهة الجاهلية العالمية في كل الأرض.. لذلك حُقّ للأساس الذي يقوم عليه ذلك البناء أن يكون أمتن أساس وضع في تاريخ البشرية.

لقد ظل القرآن الكريم يتنزل ثلاثة عشر عامًا في مكة في موضوع واحد، هو العقيدة ومقتضياتها، لأنها هي الأساس الذي سيقوم عليه ذلك البناء الضخم. وأنفق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثة عشر عامًا في مكة، همه الأول تأسيس الأساس وتمكينه وترسيخه ليحمل البناء من بعد.. ولما بدأ البناء بالفعل - في المدينة - فإنه شمخ في سنوات قلائل، بسرعة وتمكُّن، لأنه كان راسخ الأساس.

كان أساسه في النفوس. في قلوب تلك العصبة المؤمنة، القليلة العدد، نعم، ولكنها تمثل أضعاف أضعاف حجمها العددي، لأنها تحمل طاقة مركزة من الإيمان الصافي المتجرد لله، تكفي لإضاءة الساحة الواسعة بإشعاعها.. لا ساحة المدينة المنورة وحدها، ولا ساحة الجزيرة العربية وحدها، ولكن ساحة البشرية.

(1) متفق عليه، البخاري 1385، مسلم 2658.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت