الصفحة 131 من 251

إن أصفى بيان للتوحيد، وأكمل بيان وأشمل بيان، هو الذي نزل به القرآن الكريم وبينته السنة النبوية المطهرة، لأن الله كان يُعِدُّ بهذا البيان،"خير أمة أخرجت للناس". الأمة التي كُلّفت أن تكون شاهدة على كل البشرية.

وما نقول إنها الأمة الوحيدة التي تجردت لله، أو تجرد"الحواريون"الذين تجمعوا حول نبيها لله.. كلا! فحول كل نبي أرسل إلى الناس تجمعت قلوب صافية، باعت الدنيا، وتجردت للحق الذي آمنت به، ورضيت بالله ربًّا، وبنبيها رسولًا، وبالآخرة عوضًا عن الدنيا..

ولكنّا نضع في حسابنا أمرًا آخر..

إن الحركة بالإيمان ليست كمجرد الإيمان مهما كان راسخًا.. فمن شأن الحركة أن تحدث اهتزازات في الكيان المتحرك، فيحتاج إلى تمكين الأساس أكثر، لكي لا تؤثر الحركة في ثباته واستقراره. وكلما كانت الحركة أوسع مدى وأشد مَوْرًا احتاج الأمر إلى تمكين الأساس أكثر، لكي يظل متماسكًا على الرغم من الحركة الموارة..

ولقد كانت حركة هذه الأمة بإيمانها في مجالات الحياة المختلفة أعظم حركة في التاريخ، فلزم - في علم الله - أن يكون الأساس الذي يقوم عليه بناؤها أرسخ أساس وأعمق أساس.. فنزل القرآن ثلاثة عشر عامًا كاملة، يبين حقيقة التوحيد الشاملة، ويدخل بها كل مسارب النفس البشرية ومنحنياتها، ليستقر هناك عميقًا في حنايا النفوس. وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثة عشر عامًا كاملةً يركز جهده الأعظم في تربية هاتيك النفوس، لتحمل أكبر طاقة إيمانية يتسع لها القلب البشري. وكان هذا كله عنصرًا ملحوظًا من عناصر خيرية هذا الأمة.

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) . [آل عمران، الآية: 110] .

ولو كان الأمر مجرد الإيمان فلا وجه لخيرية هذه الأمة فيه، فقد آمنت قبلها أمم.. ولكنها الحركة الواسعة بالإيمان، المتمثلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نطاق شامل، هي التي جعلت الأمة الخيرية في مجال الإيمان ذاته، كما نصت الآية الكريمة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت