الصفحة 132 من 251

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وحين قام بناء الأمة في المدينة المنورة - بالمهاجرين والأنصار - تتابعت التكاليف واتسع نطاقها حتى شملت الحياة كلها في كل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية.. التصورية والسلوكية، الداخلية والخارجية.. حتى اكتمل الدين وتمت النعمة:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) . [سورة المائدة، الآية 3] .

وكانت هذه التكاليف تُعِدُّ الأمة لهدفين في آن واحد:

الهدف الأول أن تستقيم هذه الأمة لربها في ذات نفسها - وهو الهدف المشترك بينها وبين الأمم المؤمنة السابقة كلها - ولكن على أوسع مساحة عرفتها البشرية: تشمل الفرد والجماعة، الرجل والمرأة. الصغار والكبار. التعامل مع الأصدقاء والأعداء. المؤمنين وغير المؤمنين، المحاربين والمسالمين، كما تشمل كل تصرف سلوكي، وكل تصرف فكري، وكل هاجسة تخطر في داخل النفس لا يراها الناس، ولكن يطلع عليها من يعلم خائنة الأعين وما تُخْفِي الصُّدور.

والهدف الثاني: أن تقوم هذه الأمة بالشهادة على كل البشرية..

وإنها لتقوم بالتكليفين معًا على أساس واحد، هو لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

إنها لا تصطنع شيئًا خاصًّا من أجل الشهادة على البشرية غير الذي تقوم به لذات نفسها.. اللهم إلا الدعوة وتكاليفها.. ولكنه الأساس ذاته، والمنهج ذاته، والتوجه ذاته..

إنها تتحرك - بما استقامت لربها في ذات نفسها - لتعرض على الناس الإسلام من خلال سلوكها العملي بالمنهج الرباني، وتدعوهم - من خلال القدوة العملية - للدخول فيه. ثم تبلغهم أن هذا الدين هو المعتمد عند الله، الناسخ لكل ما سواه، وأنها مكلفة من قبل ربها أن تدعوهم إليه، وأن تزيل كل الحواجز التي تحجب الحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت