وحركة حضارية منبثقة من هذا الدين (1) .
إن هذه - كما قلت في فصل"نظرة إلى الجيل الفريد"من كتاب"واقعنا المعاصر"- ليست مثاليات طُولِبَ بها الجيل الأول وحده، وقام بها على الوجه الأكمل. إنما هي السمات الدائمة للأمة المسلمة، المكلف بها كل جيل من أجيالها إلى قيام الساعة، والتي تعتبر الأمة مُقصّرة في الدنيا والآخرة إن هي نَكَلَتْ عن القيام بها في حدها الأدنى المفروض.
إنما كان الذي تفرد به الجيل الأول هو الدرجة العجيبة التي وصل إليها في تحقيق تلك السمات في أعلى آفاقها، وتجاوز بها الحد الأدنى المفروض، إلى الحد الأعلى المرغوب، تطوعًا منه، ورغبة في مرضاة الله.
أما تلك السمات ذاتها فهي هي كيان الأمة الأصيل، من أجلها أخرجت هذه الأمة، ومن أجلها كانت خيريتها. ولن يتحقق لها كيانها الإسلامي الحقيقي - فضلًا عن الخيرية المنوطة بها - حتى تقوم بها، وتجاهد في سبيلها، وتمنحها عزيمتها الصادقة. ولا تكون قد أدت رسالتها سواء لنفسها أو للناس، إن هي اكتفت من كل ذلك بالأماني الفارغة والأحلام الجميلة.
إن هذه السمات - بالنسبة لهذه الأمة - هي مقتضيات لا إله إلا الله، ذلك أنها - كلها - تكليف رباني، وكل تكليف رباني داخل - بالضرورة - في مقتضيات لا إله إلا الله.
ومن ثم كانت لا إله إلا الله في حياة هذه الأمة أمتن أساس قام عليه بناء في تاريخ أية أمة، وأوسع أساس، وأشمل أساس.
إنه منهج حياة كامل، يشمل كل جزئيات الحياة، ويربطها بعضها ببعض برباط الإيمان (2) .
(1) تحدثت عن هذه السمات بتفصيل كاف في فصل"نظرة إلى الجيل الفريد"من كتاب"واقعنا المعاصر".
(2) تختلف مواضع التكاليف من قضية الإيمان، فبعضها إن نقض ينقض أصل الإيمان، وبعضها إن نقض ينقص من الإيمان ولا ينقض أصله، ولكنها كلها مرتبطة بلا إله إلا الله.