وإذا كانت الجاهلية المعاصرة بالذات تصغر من قيمة الإيمان، ومن قيمة التوحيد، حتى تجعله مزاجًا شخصيًّا يتخذ كل إنسان موقفه منه على هواه بلا فارق، وتستوي الحياة بالإيمان كما تستوي بالكفر، سواء الحياة السياسية أو الاقصادية أو الاجتماعية.. الخ، ويظل الدين صلة شخصية بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة..
إذا كان هذه موقف الجاهلية المعاصرة بالذات، فإن قيمة التوحيد، وضرورته للحياة الإنسانية، مستمدة من طبيعة الإنسان ذاته، لا من طبيعة البيئة ولا من طبيعة الظروف..
فالإنسان عابد بفطرته، ولا يوجد في الحقيقة من لا يَعْبُد!
وليس الفارق بين إنسان وإنسان أن هذا يعبد وذاك لا يعبد.. إنما يفترق إنسان عن إنسان في"المعبود"، الذي يتوجه إليها بالعبادة، لا في مبدأ التوجه بالعبادة إلى معبود ما.
والفارق الرئيسي بين الناس على نطاق البشرية كلها، أن هناك من يعبد الله وحده بلا شريك، وهناك من يعبد غير الله، معه أو من دونه، ومن ثم ينقسم الناس كما أخبر عنهم خالقهم إلى فريقين اثنين:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) . [سورة التغابن، الآية 2] .
وتنقسم العبادة إلى عبادتين اثنتين: إما عبادة الله وإما عبادة الشيطان:
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) . [سورة يّس، الآيتان 60، 61] .
أما الذي يحسب أنه لا يعبد شيئًا على الإطلاق فذلك من الذين قال الله عنهم:
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) . [سورة الجاثية، الآية 23] .
وعبادة الهوى لا تخرج في النهاية عن كونها عبادة للشيطان، لأنه هو الذي يحركها في النفوس.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) . [سورة مريم، الآية 83] .