وتمسكت من بعده بعقيدة أبعد ما تكون عن التوحيد! (1) .
ولم تكن قضية التوحيد مجرد تصديق عقلي بأن الله واحد لا شريك له في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا مجرد وجدان مستسر في الضمير.. فقد صحب هذا التصديق العقلي وهذا الوجدان القلبي منذ البدء"أعمال"معينة، سواء كانت من أعمال القلب أو من أعمال الجوراح، شكلت في مجموعها"منهج حياة"كامل، يشمل كل مناحي الحياة.
لقد كان المقتضى الأول للتوحيد في حسّ الأمة المسلمة هو التلقي من عند الله، لا من أي مصدر سواه. ومنهج التلقي هو مفرق الطريق بين الجاهلية وبين الإسلام. وفي الإسلام يتلقى الناس من ربهم، وهذا معنى إسلام وجههم لله، وفي الجاهلية يتلقى الناس من عند غير الله - معه أو من دونه.
ومما يحسب لهذه الأمة - في التاريخ - أنها رسّخت معنى التوحيد في صورته الحقيقية - صورة التلقي من عند الله - وأنشأت على أساسه حضارة هائلة متشعبة ألوان النشاط، وحركة علمية في شتى فروع العلم (2) ، فكانت الأمة الفريدة في التاريخ التي طبقت المنهج الرباني في واقع الأرض، وعرضته للبشرية رائقًا صافيًا، تسري فيه أعمال البشر مصبوغة بصبغة الله:
(صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) . [سورة البقرة، الآية 138] .
بينما الأمة اليهودية غيرت صبغة الله الرائقة الصافية - بتحريفها للتوراة - إلى أنانية وصَلَف وجحود وعدوان وجشع مادي وبلادة روحية وقسوة قلب، كما خاطبهم الله تعالى في كتابه المنزل:
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ
(2) لا يستحي المستشرقون بعد ذلك أن يزعموا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، قد أخذ فكرة التوحيد عن اليهود والنصارى!!
(3) سنتكلم فيما يلي من الفصل عن الحركة العلمية الإسلامية والحركة الحضارية الإسلامية.