لقوم محدودي العدد في بقعة معينة من الأرض وظرف معين من الزمان، وبين من يراد له أن يكون معلمًا للناس كافة على مدى الزمان كله..
وقد كان ذلك كله منظورًا إليه في خيرية هذه الأمة!
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) . [سورة آل عمران، الآية 110] .
ونظرة واحدة في كتاب الله ترينا كم كانت قضية التوحيد هي القضية الأولى والكبرى في ذلك الكتاب، وكم تناولت من آفاق، وكم وُثِّقت توثيقًا عميقًا مع كل خطرة نفس تخطر في قلوب البشر، ومع كل حدث من أحداث الكون المادي، وكل حدث في حياة البشر في دنياهم وآخرتهم سواء.
لم يكن السبب - كما ألمحت إلى ذلك في كتاب"دراسات قرآنية"- أن المخاطبين الأول بهذا الكتاب كانوا مشركين، فلزم في تقدير الله أن توثق القضية لهم ليخرجوا من شركهم ويؤمنوا.. فقد خوطبوا بالخطاب ذاته - خطاب التوحيد - وهم مؤمنون مجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) . [سورة النساء، الآية 136] .
ولعمق التوجيه الرباني في كتابه المنزل - مع تكفل رب العالمين بحفظ كتابه - بقيت هذه الأمة - بِقَدرِ الله ومشيئته - تحافظ على صفاء توحيدها فترة طويلة من الوقت، وتنشره في الآفاق، بينما الأمة اليهودية التي نزل لها كتاب توحيد من قبل حرفته
بتصوراتها الوثنية الهابطة (1) ، والأمة النصرانية تقبلت تحريف شاول اليهودي،
(1) تصور التوراة الإله جل وعلا في صورة زرية لا تليق حتى بإنسان عادي. انظر على سبيل المثال في سفر التكوين قصة الإله مع آدم وحواء بعد أن ذاقا الشجرة فبدت لهما سوآتهما، إذ شعرا بأن الإله قادم فاختبآ منه. فظل يبحث عنهما - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - حتى وجدهما! وفي قصة إسرائيل مع الله إذ تشاجر إسرائيل مع الله المتخفي في صورة إنسان فكسر إسرائيل حقوه - نستغفر الله - وأمسك به لا يريد أن يفلته من قبضته حتى تعهد له الله أن يمنحه العهد فأطلق سراحه!!