الصفحة 17 من 251

وحين يقول جلّ شأنه: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) . [سورة الفتح، الآية 26] . فالمقصود سلوك غير منضبط بالضوابط الربانية، التي تلزم الإنسان ألا يُقاتل إلا في سبيل الله، ولا يُقاتل حَمِيَّةً، ولا عَصبيّة، ولا لأمر يُغضب الله سبحانه وتعالى:

وأخيرًا حين يقول سبحانه وتعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) . [سورة المائدة، الآية 50] . فالأمر متعلق مباشرة باتباع غير ما أنزل الله من التشريع، الذي قال الله فيه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) . [سورة المائدة، الآية 44] .

ذلك هو المعنى"الاصطلاحي"للجاهلية، الذي جاء في كتاب الله الكريم، والذي خلاصته الجهل بحقيقة الألوهية، والجهل بما يجب لله سبحانه وتعالى من إخلاص العبادة له وحده دون شريك. وهي بهذا المعنى ليست محددة بزمن معين، ولا مكان معين، ولا قوم معينين. إنما هي تصورات معينة، وسلوك معين، حيثما وجدت فهي الجاهلية، بصرف النظر عن الزّمان والمكان والقوم.

وبهذا المعيار الرباني، نصف الجاهلية المعاصرة بأنها جاهلية!

والذين يظنون أن الجاهلية كانت فترة زمنية معينة في الجزيرة العربية، انتهت ببعثة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولم يعد لها وجود في أي مكان في الأرض، يغفلون عن الواقع الذي تعيشه معظم الأرض اليوم، كما يغفلون عن أقوال العلماء في هذا الشأن.

يقول ابن تيمية - رحمه الله:

"فإذا تبين ذلك (1) ، فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه"

(1) أي الذين يجهلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت