إنها من حيث حجمها، وسعة مجالاتها، ومن حيث عمارتها المادية للأرض، ومن حيث ما قدّمت مخترعات تحمل العبء عن كاهل الإنسان وتحمّله للآلة، قد بلغت ذروة لم تبلغها حضارة في التاريخ.
ولكنها من حيث تحقيقها"لإنسانية الإنسان"، قد تكون أسوأ حضارة في التاريخ.
والقضية في جوهرها هي قضية: ما الإنسان؟ وما غاية وجوده؟
والحضارات لا تختلف فيما بينها بعدد ما أنشأت من الطرق المعبدة، وعدد ما أنشأت من المدن، وعدد ما أنشأت من المؤسسات في داخل هذه المدن.. وإن كان هذا كله داخلًا في الحساب. وإنما تختلف - قبل ذلك، وأهم من ذلك - في مدى تحقيقها لغاية الوجود الإنساني، ومدى تحقيقها لإنسانية الإنسان.
القضية هي تحديد المعايير التي يوزن بها الإنجاز البشري.
ولا شك أن من مزايا الإنسان التي اختصه الله بها، وفضّله على كثير ممن خلق، أنه لا يتناول ما حوله من موجودات"الطبيعة"على حالتها الخامة، إنما هو مدفوع بفطرته إلى تصنيع تلك الخامات لينشئ بها لنفسه عالمًا جديدًا غير الذي ألفى نفسه موجودًا فيه. ثم لا يكتفي بذلك التصنيع، إنما هو يسعى دائمًا إلى تحسين أحواله التي أوجدها لنفسه بتصنيع خامات الطبيعة، ويحاول أن يصل بهذه الأحوال إلى درجة الجمال (1) .
وهذه المراحل الثلاث: التصنيع، والتحسين، والتجميل، هي:"المظهر الجضاري"لحياة الإنسان في الأرض، الذي يميزه عن غيره من الكائنات.
نعم! ولكن هذا جانب واحد من جوانب وجوده، وغاية واحدة من غايات ذلك الوجود، لا تصلح وحدها أن تكون مقياسًا للإنجاز البشري.
إن الإنسان يُمارس حياته بكل كيانه، ويكون في أحسن تقويم حين يُمارس الحياة بكيانه كله متجمعًا متناسقًا متوازنًا مترابطًا كما خلقه الله:
(1) أو درجة الكمال. والكمال البشري قضية نسبية في جميع الأحوال.