الصفحة 172 من 251

(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) .

[سورة ص، الآيتان 71، 72] .

ومقتضى ذلك التكوين أن للإنسان جانبين في آن واحد: جانب ماديّ حسيّ، وجانب روحي معنوي، مترابطين معًا غير منفصلين، وغير متناقضين ولا متخاصمين ولا متعاديين.

وحين يكون الإنسان على فطرته التي فطره الله عليها فإنه ينشئ حضارة متوازنة بين مطالب الجسد ومطالب الروح، تحقق كيانه الإنساني، وتحققه في أحسن تقويم.

ولقد كانت المزية الكبرى للحضارة الإسلامية أنها أخذت الإنسان كله، بكل جوانبه، فكانت حضارة"إنسانية"حقًّا، شاملة لكل المجالات التي يتحقق بها كيان"الإنسان".

فأما الجانب المادي من الحضارة: جانب التصنيع، والتحسين، والتجميل، فقد برع المسلمون فيه بما يثبت أصالتهم، وتفوقهم على عالم زمانهم. ولكن هذا لم يكن همهم الأكبر، وما ينبغي أن يكون.

لقد كان منهجهم هو"منهج العبادة".. العبادة بمعناها الشامل الواسع، الذي يعني في النهاية عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني:

(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ) . [سورة الأنعام، الآيتان 162، 163] .

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) . [سورة البقرة، الآية 30] .

(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) . [سورة هود، الآية 61] .

ومن ثم تصبح"العمارة"وتصبح"الحضارة"مزيجًا من الإنجاز المادي، والإنجاز الروحي في ذات الوقت، أو بعبارة أخرى: إنجاز مادي محكوم بالقيم العليا التي يُقرّرها الإسلام.

ونظرة سريعة إلى المدينة الإسلامية"تكشف عن هذه الحقيقة. فلقد كان مركز المدينة - الذي تتفرع منه، وتتفرع عنه الطرق والمناشط - هو المسجد. في المسجد يُؤدي الناس صلاتهم - صلاة الصبح - ثم ينطلقون إلى أعمالهم في التجارة والصناعة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت