اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) . [سورة النور، الآية 55] .
وكان أجمل ما في هذه الحضارات ذلك التوازن الدقيق في داخل الكيان الإنساني، وفي واقع الحياة.
مما يلفت النظر في تاريخ هذه الأمة تأثير الإسلام في جوانب كثيرة من حياتها في اتجاه مغاير لتأثير البيئة.
فقد كان العرب في الجاهلية قبائل متناحرة لا تلتقي في أمة، على الرغم من كل عوامل اللقاء التي تلتقي على مثلها شعوب أخرى، كوحدة الأرض، ووحدة اللغة، ووحدة العادات والتقاليد، ووحدة المعتقدات، ووحدة التراث، ومواسم الحج التي تلتقي فيها القبائل من كل أنحاء الجزيرة، ومواسم الشعر التي يلتقي فيها الشعراء والنقاد.. الخ.
لقد كانت النعرات القبلية والثارات القبلية أقوى أثرًا من كل هذه العوامل مجتمعة، فحالت - لمدة لا يعلمها إلا الله - دون التقاء هذه القبائل في أمة واحدة.. حتى جاء الإسلام فمنّ الله عليها بالالتقاء والألفة، ولم تتكون منها مُجرّد أمة، بل تكوّن منها بقدر من الله خير أمة أخرجت للناس.
وأشارت آية سورة الأنفال - التي استشهدنا بها من قبل - إلى أن هذا اللقاء لم يكن ممكنًا لولا فضل الله ومشيئته:
(لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . [سورة الأنفال، الآية 63] .
وحين يُريد الله شيئًا فإنما يقول له كن، فيكون. ولكن الله يجعل لمشيئته أسبابًا تتحقق من خلالها. وكان السبب الذي جعله الله لتحقيق هذه الألفة هو الإسلام. فكان الإسلام هو الغالب على كل آثار البيئة التي حالت دون تحقيق الوحدة من قبل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، للمؤمنين:"إن الله أذهب عنكم عُبيّة الجاهلية"