الصفحة 175 من 251

وفخرها بالأنساب.." (1) . والحديث واضح الدلالة في أن عبية الجاهلية وفخرها بالأنساب لم تذهب من ذات نفسها، كما يدعي الذين يزعمون أن العرب كانوا على وشك التجمع من ذوات أنفسهم، وكانوا ينتظرون"الزعيم"الذي يُوحدهم، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم، اتخذوه زعيمًا لهم وتوحدوا!"

وهو قول بالغ التهافت، يردّ عليه قول الله تبارك وتعالى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يكن من ذات نفسه، ليؤلف بين هذه القلوب، لا بشخصه، ولا بإنفاق ما في الأرض جميعًا.. لولا مشيئة الله، واتخاذ الله السبب لتحقيق هذه المشيئة وهو الإسلام. كما يردّ عليه أن العرب حاربت الرجل الذي تمت على يده الوحدة - بقدر من الله ومشيئته - حربًا لا هوادة فيها ثلاثة عشر عامًا كاملة في مكة، وسنوات أخرى بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، حتى دخلوا في الإسلام، فجعل الله الإسلام سببًا في الوحدة وتأليف القلوب.

وانتشر الإسلام في بقعة واسعة من الأرض، فحدثت فيها عجائب تشبه المعجزات، أشرنا إلى بعضها من قبل، من سرعة انتشار الإسلام في الأرض المفتوحة، واتخاذ العربية لغة في كثير منها تُنْسِي أهلها لغتهم الأصلية حتى الذين لم يدخلوا منهم في الإسلام..

ونشير هنا إلى عجيبة أخرى تلفت النظر..

إن البيئة التي انتشر فيها الإسلام - بقدر من الله - يقع معظمها في المنطقة الحارة، والمنطقة المعتدلة الحارة، والقليل منها هو الذي يقع في المنطقة المعتدلة الباردة.

والملحوظ في أهل هذه البيئة أنهم - بتأثير البيئة - فوضويون يكرهون النظام! عفويون يكرهون التخطيط! قصيرو النفس، يشتعلون بسرعة وتنطفئ حماستهم بسرعة (2) ، أميل إلى الكسل منهم إلى الجدّ والنساط والحركة!

وربما كان السبب في هذه الخصال أن هذه البيئة سهلة في عمومها، فلا أحد

(1) رواه أبو داود وأخرجه الترمذي وقال"حسن صحيح".

(2) ذكرت هذه الإشارة من قبل في كتاب"واقعنا المعاصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت