الصفحة 176 من 251

فيها يموت من البرد، ولا أحد يموت من الحرّ، ولا أحد يموت من الجوع في الأحوال العادية، ويستطيع الإنسان بأبسط الجهد أن يقيم أوَدَهُ، وأن يؤدي مطالب الحياة القهرية دون عناء كبير.

وفي مثل هذه الظروف يبدو النظام أمرًا لا ضرورة له! فإن الأمور يمكن أن تقضى بغير حاجة إلى تنظيم! وعندئذ يكون النظام عبئًا على الأعصاب، لا مبرر له، وتكون الفوضى أمرًا مستساغًا لأنها أيسر على الأعصاب!

كما يبدو التخطيط أمرًا لا ضرورة له كذلك! فحين تأتي المشكلة تحلّ! والنحو الذي تحل به يوم تجيء هو النحو ذاته الذي تحل به الآن لو برزت في هذه اللحظة! فلماذا التخطيط المسبق، ما دام التفكير اللحظي السريع عند حلول المشكلة يمكن أن يحلها؟!

وأما قصر النفس فربما كان منشؤه أن الأمور يمكن أن تُحلّ بجولات قصيرة مركزة تغير الأوضاع - ولو إلى حين - وتتجدد كلما أريد إحداث تغيير.. دون أن يحتاج الأمر إلى جولة طويلة منظمة مخططة تحتاج إلى متابعة مستمرة.

وأيًّا كانت الأسباب التي تحتويها البيئة، وتؤدي إلى وجود هذه الخصال في نفوس أهلها، فقد تسلم الإسلام أهل هذه البيئة - على أوضاعهم تلك - فأخرج منهم خير أمة أخرجت للناس!

ولقد بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم، جهدًا تربويًّا ضخمًا في هذا السبيل، روت منه كتب السيرة أنه صلى الله عليه وسلم، كان يصفُّ المؤمنين للصلاة كما يصفهم للقتال! وكان يمر بيده الكريمة على أكتاف الرجال يسويها، ويأمرهم أن يحاذوا بعضهم بعضًا بأقدامهم، ولا يبدأ الصلاة صلى الله عليه وسلم، حتى يستقيم الصف.

والإسلام كله مواقيت منظمة..

فالصلاة مواقيت، والزكاة مواقيت، والصوم مواقيت، والحج مواقيت، والأشهر الحرم مواقيت..

ثم إن الإسلام علّم المسلمين أن يُخططوا للدعوة، وللسلم والحرب، ولمواجهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت