الصفحة 20 من 251

وبينت أن هناك أفرادًا خيّرين وجوانب خيرة في الجاهلية، ولكنّها كلّها ذاهبة بددًا، بسبب جوانب السوء التي أبرزها القرآن الكريم، وهي شرك العبادة وشرك الاتباع، أي لبطلان القاعدة الأساسية التي تقوم عليها حياتهم كلّها.

يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقِهُوا" (1) .

فيبين عليه الصلاة والسلام أن في الجاهلية"خيارًا"من الناس. ولا يوصف الناس بأنهم خيار حتى يكون فيهم قدرٌ كافٍ من الخير يُؤهلهم لهذا الوصف. ولكنهم إذا لم يفقهوا - أي إذا جَهِلُوا - يضيع خيرهم بَدَدًا، أو يستنفدون أجرهم في الحياة الدنيا ولا يقبل منهم عملهم يوم القيامة كما قال تعالى:

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة هود، الآيتان 15، 16] .

وقد كان في الجاهلية العربية فضائل لا شك فيها، كإكرام الضيف، والشجاعة وإباء الضيم، وإجارة الضعيف.. الخ، ولعلّ قمة ما كان فيها من الفضيلة ذلك الحلف الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال فيه:"دُعِيتُ إلى حلف في الجاهلية في بيت ابن جدعان، لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت" (2) يقصد حلف الفضول.

ولكن هذا كلّه لم يمنع عنها صفة الجاهلية التي وصفها بها ربّ العالمين - وهو أصدق القائلين - ولم يمنع عنها مصيرها المحتوم في الدنيا وفي الآخرة، لأنه من السنن الربانية، ومن الحقّ الذي خلقت به السموات والأرض. (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) . [سورة فصلت، الآية 46] .

فليس من الظلم وصف الجاهلية بأنها جاهلية على الرغم من الخير الجزئي

(1) أخرجه مسلم.

(2) انظر سيرة ابن هشام ج 1 ص 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت