الصفحة 33 من 251

المادي لتحقيق ما سخّره الله من طاقات السموات والأرض لتحسين الحياة وتجميلها (1) .

أما الجاهلية الإغريقية فقد جعلت الأمر كلّه موكولًا للعقل وحده.. فألّهته!

وصار العقل - عندها - هو المرجع الذي ترجع إليه في قضية الألوهية، وقضية الخلق، وقضية ما يكون بعد الموت، وقضية التشريع، وقضية المنهج الذي يحكم الحياة. في حين حولت الميدان الرئيسي للعقل - وهو النظر في الكون المادي والتعرف على خواصه، ومحاولة تسخير طاقاته - إلى نظريات ذهنية مجردة، لا تجّرب لمعرفة مدى صدقها وانطباقها على الواقع، إنما تُمرر على"العقل"، فإن رآها صحيحة فهي في حكمه صحيحة، بصرف النظر عن واقعها الحقيقي، وإن رآها - لأي سبب من الأسباب - غير صحيحة فهي في حكمه غير صحيحة، بصرف النظر عن واقعها الحقيقي!

وكان لا بد لهذا الانحراف في الجاهلية الإغريقية أن يصل إلى نتيجته.. فقد عاش الناس في دوامة من النظريات الفلسفية المتناقضة في قضايا الحياة الرئيسية كلّها، وفي الوقت ذاته لم يتقدم العلم! وكان هذا المنهج قمينًا أن يصل بالحياة إلى البوار حتى لو قدر له أن يعيش أكثر مما عاش، ولم تأت الكنيسة لتطمسه أو تسخره لأغراضها الخاصة.

وإذا تفهمنا هذه الحقيقة نستطيع أن ندرك معنى الانحراف الواقع في الجاهلية المعاصرة من"إحياء"الجاهلية الإغريقية مرة أخرى.

حقيقة إنه حدثت تغييرات جوهرية في بعض نواحي المنهج..

فقد تسلم المسلمون المنهج الإغريقي، وأدركوا ما فيه من خلل في الناحية العلمية، إذ أن العلم لا يصلح نظريات ذهنية تجريدية بغير تجريب، واهتدوا - بوحي إسلامهم - إلى المنهج الصحيح، فحوّلوا العلم إلى ملاحظة وتجربة واستنباط، وكان هذا هو المنهج الذي انبنى عليه كلّ التقدم العلمي في العصر الحاضر، كما أشار

(1) اقرأ - إن شئت - فصل"العقلانية"في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت