الصفحة 48 من 251

أو ليس الله هو الذي أتَاح له عمارة الأرض؟

(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) . [سورة هود، الآية 61] .

أو ليس الله هو الذي منحه الأدوات المعينة له لعمارة الأرض؟

(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) . [سورة البلد، الآيات 8 - 10] .

(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [سورة البقرة، الآية 31] .

(وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) . [سورة تبارك، الآية 23] .

(خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [سورة الرحمن، الآيتان 3، 4] .

(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) . [سورة العلق، الآيات 3 - 5] .

فالله هو الذي قدّر للإنسان أن يكون ذا قُوّة وذا فاعلية، وذا نزعة فطرية لتحقيق ذاته من خلال قوته وفاعليته، ولا يغضب الله عليه حين يُمارس هذه القُوة وهذه الفاعلية في الحدود التي رسمها له، وهي الحدود التي يعلم اللطيف الخبير أنها تُصلح الحياة الدنيا وتمنع عنها الفساد.

إنما يغضب عليه فقط حين يتمرّد على الله، ويعصيه عامدًا ليجعل نفسه - أو غيره - ندًّا لله، فَيُخالف بذلك إرادة الله، ويُخالف الحقّ كذلك، إذ أنه لا ندّ لله في الحقيقة ولا شريك، فمن اتخذ له ندًّا أو شريكًا فقد كذب على الحقّ واتبع الباطل، فاستحق غضب الله.

ولكن العجيب في الأسطورة أنها تجعل هذا السلوك المتمرّد - وحده - هو وسيلة تحقيق الإنسان لذاته، فإذا غضب الله عليه من أجل ذلك قالت الأسطورة: انظروا! ها هو ذا الإله ينتقم من الإنسان، لأن الإنسان أراد أن يُحقق ذاته!!

إنه تصوّر مريض.. لا ندرك له سببًا ظاهرًا، وليس بين أيدينا من الدراسات في تاريخ تلك الجاهلية ما يُفسّر لنا هذا الانحراف العجيب، اللهم إلا شيئًا واحدًا نقوله من باب الحدس، لا من باب اليقين ولا حتى الترجيح: إن الطفل في سن معينة، حين يبدأ يحسّ بذاته، يجب أن يُثبت ذاته بالاعتماد على نفسه ورفض العون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت