الصفحة 49 من 251

الذي يُقدّمه له الكبار!

فإذا مددت إليه يدك مثلًا لتعينه على السير في الطريق المزدحم - خوفًا منك عليه - سحب يده من يدك ومشى وحده، لِيُثبت لك أنه شبّ عن الطوق، واستطاع الاعتماد على نفسه! هذا يقع من الطفل السويّ، أما الطفل المنحرف فهو يعصي أوامرك عنادًا منه، لِيُثبت لنفسه ولك أنه يستطيع أن يقول لا!

فإذا كانت هذه الحقائق السلوكية تُلقي بعض الضوء على القضية، فهي تُوحي بشيئين معًا بالنسبة للجاهلية الإغريقية: الأول أنها كانت طفلة من الوجهة النفسية، على الرغم من كلّ نُضجها الفكري، والثاني أنها كانت مريضة منحرفة، على الرغم من كل"حكمتها"الفلسفية" (1) ."

وأيًّا كان الأمر بالنسبة للجاهلية الإغريقية، فإن بعثها من جديد على يد الجاهلية المعاصرة يعدُّ أشدّ انحرافًا وأشدّ مرضًا، حيث لا عذر فيه من"الطفولة"التي يمكن أن توصف بها الجاهلية الإغريقية، وخاصة من قوم يزعمون أنهم في قمة الرقي البشري.. وقمة النضوج.

لقد ظلت الأسطورة - بإيحاءاتها المسمومة - كامنة تحت القشرة المسيحية طيلة عصور أوربا الوسطى"المظلمة"، وكان المفروض أن يكون"الدِّين"قد قضى عليها، وخاصة ذلك الدين الذي يصل إلى حدّ الرهبانية تبتلًا إلى الله، ويصل إلى حدّ إنكار الإنسان لذاته، ولوجوده الإنساني كلّه، تعظيمًا لله وتبجيلًا له. ولكن صدق الله إذ يقول:

(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) . [سورة الحديد، الآية 27] .

وكأنما كان ردّ الفعل لتلك الرهبانية الكابتة للوجود الإنساني هو العودة - المريضة - إلى تلك الأسطورة المنحرفة، التي تزعم أن إثبات الإنسان لذاته لا يكون إلا بمعصية الله!

(1) "الفلسفة"- باللغة الإغريقية - تعني اتباع الحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت