الصفحة 50 من 251

وربما كان طغيان الكنيسة كذلك سببًا من أسباب هذه العودة المريضة. فالله في حسّ النّصارى متلبس بعيسى ابن مريم عليه السلام، والبابا متلبس بعيسى ابن مريم من خلال بطرس، كما قال البابا:"نقولا الأول"في بيانه الذي أعلنه على الناس:

"إن ابن الإنسان أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وإن أساقفة روما وَرِثُوا سلطان بطرس في تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكامًا كانوا أو محكومين" (1) .

ومن خلال هذه السيادة طغت الكنيسة طغيانها البشع، الذي نفّرت فيه الناس في النهاية من الدّين، فرفضوا الخضوع لسلطان البابا، المتلبس في حسّهم بسلطان الله جلّ جلاله (أو بسلطان المسيح الذي ألّهوه وعبدوه) ، وأصبح التمرّد على ذلك السلطان الإلهي هو طريقهم لإثبات الذات! واستيقظت بذلك الأسطورة الكامنة في حسّهم، التي لم تقض عليها فترة التدين الطويلة، إنما كانت كامنة في ظلمات نفوسهم تنتظر ما يُوقظها!

يقول"جوليان هكسلي"في كتابه"الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World"ما خلاصته: إن أسطورة بروميثيوس ما تزال تعيش في الحسّ الأوربي وتُؤثر على سلوك الناس. والأوربي المعاصر هو"بروميثيوس الحديث"المتمرّد على سلطان الله. لقد خضع الإنسان لله في الماضي بسبب عجزه وجهله، والآن، وقد تعلّم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يحمل على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر العجز والجهل على عاتق الله، ومن ثمّ يُصبح هو الله!

نستعيد بالله..

إن هذه العقدة - أو سَمَّها ما شئت من الأسماء - هي التي تشكل"المنهج"كلّه لدى الجاهلية المعاصرة!!

(1) ول ديورانت، قصة الحضارة ج 14 ص 352 من الترجمة العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت