الصفحة 51 من 251

إن الأوربي يسعى لعمارة الأرض نعم، ويتخذ لذلك كل الوسائل التي يراها مُوصّلة لتحقيق أهدافه، وكثير منها مُوصّل للهدف بالفعل، ولكن القضية ليست عمارة الأرض في ذاتها. إنما هي قضية"المنهج"التي تتم على أساسه عمارة الأرض.. أهو المنهج الرباني الذي يحقق الفلاح في الدنيا والآخرة؟ أم هو منهج غير الله؟! وحين يكون منهج غير الله فهو منهج الشيطان!! منهج"بروميثيوس": (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) . [سورة يّس، الآيتان 60، 61] .

وهذا المنهج - منهج"بروميثيوس"- يُحقّق جوانب من النفع، وجوانب من الخير، ولكنه إلى جانب ذلك يُحقق كثيرًا من الشرّ، ويُؤدي في النهاية إلى الدمار..

لقد مكّن هذا المنهج لأوربا في الأرض، وأعطاها قُوة فائقة في ميادين متعددة: العلم والتكنولوجيا والعمارة المادية للأرض وتيسيرات شتى في حياة الإنسان.. ولكنه في الوقت ذاته - لانحراف القاعدة التي يقوم عليها - قد أدى إلى الفساد الخلقي الذّريع الذي تبدو آثاره واضحة في المجتمع الغربي، والذي يهبط بالإنسان في حمأة الشهوات إلى دَرْك أضلّ من الحيوان: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) . [سورة الأعراف، الآية 179] .

وأدى إلى الصراع المدمّر بين الدول التي تملك القوة، ولا تملك الضوابط"الإنسانية"لاستخدام القوة. ويكفي من أمر هذا الصراع حربان عالميتان في ربع قرن، والتهديد المستمر بالحرب الثالثة التي يمكن أن تدمّر وجه الأرض.

وأدى إلى الاستعمار الوحشي، الذي يُلغي كلّ كرامة للضعيف الذي لا يملك وسائل القوة، ذلك الاستعمار الذي يقع في قبضته ما يُسمى باالعالم الثالث، وهو أكثر من نصف الأرض. لأن القانون السائد في الجاهلية هو قانون الغاب: القوّة هي الحقّ Might is Right والقوي يأكل الضعيف. والبقاء"للأصلح"في عرفهم تعني البقاء"للأقوى"، مهما يكن ما ينطوي عليه من الشرّ، وهو معنى مستمد من التفسير الحيواني للإنسان.

وأدى إلى إفساد الفطرة البشرية بصرفها عن تَوَجّهها الفطري إلى عبادة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت