ولا جدال في أن الله قد اختارهم ذات يوم لأداء رسالته، وفضلهم في وقتها على عالمي زمانهم لحكمة معينة - علمناها أو جلهناها - ولكن مشكلة هذا الشعب أنه يصر على أنه ما زال إلى هذه اللحظة هو"شعب الله المختار"الذي من حقه أن يقطع رقاب الأمم ويستذلها، ومن حقه أن"يستحمرها"ويسخرها لتنفيذ مآربه، رغم النصوص الكثيرة الواردة في التوراة ذاتها بلعنهم وإعلان الغضب عليهم، فضلًا عما ورد في الإنجيل والقرآن. فقد تكرر في التوراة ورود هذا التعبير:"وحمي غضب الرب على شعبه"، كما تكرر في الإنجيل قول عيسى عليه السلام لليهود:"يا أولاد الأفاعي!"وقوله لهم:"أنتم شعب صلب الرقبة"!
ولا يفوتنا ونحن نستشهد بكلمات من التوراة أنها قد حرفت تحريفًا كثيرًا، غطّى على الأصل المنزل من عند الله، ولكن الاستشهاد بتلك الكلمات في المجال الذي نحن بصدده أبلغ دلالة. ذلك أنه على الرغم من أنهم حرفوها لتوافق أهواءهم وأمزجتهم فإنهم لم يستطيعوا أن يحذفوا منها كل ما ورد فيها من أنباء غضب الله عليهم ولعنه لهم.
أما في القرآن الكريم، كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد جاء الكلام عن بني إسرائيل مفصلًا في مواضع كثيرة، لحكمة يعلمها الله، قد يكون من بين جوانبها أن الله يعرض على المسملين أنباء الأمة السابقة التي نزل لها كتاب من عند الله، وأعزها الله بالكتاب المنزل، ومكّن لها في الأرض، فلم ترع الكتاب حق رعايته، فنزع الله السلطان منها وأذلها، وحكّم أعداءها في أمرها. لعل الأمة المسلمة - وهي الأمة الثانية التي نزل لها كتاب من عند الله، وأعزها الله بالكتاب المنزل، ومكّن لها في الأرض - أن تحذر الوقوع فيما وقعت فيه الأمة الأولى، فينالها ما نال الأمة الأولى من العقاب (1) .
(1) يلاحظ أنه رغم هذا التحذير الواضح وقع المسلمون في كثير مما وقع فيه بنو إسرائيل، ونالهم شيء مما نالهم من العقاب، وإن كان الله لم يكتب عليهم اللعنة التي كتبها على بني إسرائيل، لأنهم دائمًا يعودون، ويبعث الله لهم على رأس كل قرن من يجدد لهم أمر دينهم.