الصفحة 73 من 251

كانت الدعوة اليهودية فيها قد نشطت، قبل أن يقرر اليهود وقف الدعوة، واعتزال العالم، والنفي الاختياري في"الجيتو" (1) .

إنما يرجع النبوغ في بعض أفرادهم من طبيعة كونهم أقلية مضطهدة، بصرف النظر عن سبب اضطهادهم، فالأقلية المضطهدة في كل مكان في الأرض تكون دائمًا مشحوذة الهمة لمقاومة الضغط الواقع عليها لإفنائها أو سحقها.. فيصل الشحذ عند بعض الأفراد إلى النبوغ، ويكون عند مجموع الناس باعثًا إلى النشاط والحركة والإنتاج.. ولا علاقة لهذا بالدم أو الجنس أو النسب أو غيرها مما يتشدق به بنو إسرائيل!

ولا يجوز أن ننسى عاملًا أساسيًا في القضية لا تفهم القضية بدونه، هو تقدير الله أن يبقى هذا الشعب ولا يفنى تحت الاضطهاد كما فني غيره من الأقليات التاريخية، لحكمة يريدها الله، قد تظهر بعض جوانبها عند استعراض واقعهم المعاصر.

ومن ثم اجتمعت ثلاثة عوامل تؤدي في مجموعها إلى نبوغ بعض الأفراد، وبث النشاط الدءوب في المجموع. فهم أولًا أقلية لا أمل لها أن تصبح أغلبية عددية في أي يوم من الأيام. وهم ثانيًا أقلية مضطهدة لأن الله كتب عليهم هذا الاضطهاد عقابًا لهم على سجاياهم الرديئة وأعمالهم السيئة. وهم ثالثًا أقلية قدر الله لها أن تبقى، فأودع في نفسها إرادة قوية للبقاء، وعزيمة قوية لمقاومة عوامل الفناء.. ولا شيء من هذه العوامل الثلاثة يرجع إلى الجنس أو العنصر أو الدم أو النسب.. إنما هو قدر رباني، وسنن ربانية جارية كالمعادلات الكيماوية، حيثما وجدت ظروفها أدت إلى نتائجها بقدر من الله.

ولسنا هنا على أي حال معنيين بتفنيد مزاعم اليهود، بقدر ما نحن معنيون بالتعرف على مخططاتهم، والدوافع التي تدفعهم إليها، والوسائل التي يتخذونها لتحقيقها.

(1) راجع كتاب"اليهود ليسوا يهودا"تأليف بنيامين فريدمان وترجمة زهدي الفاتح، طبع دار النفائس ببيروت الطبعة الثانية 1403 هـ / 1984 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت