ذاته هو الذي قضى بأن تكون للإنسان فاعلية في الحياة الدنيا، ليبتليه الله من خلالها:
(إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) . [سورة الإنسان، الآية 2] .
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) . [سورة البقرة، الآية 30] .
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) . [سورة هود، الآية 61] .
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) . [سورة الجاثية، الآية 13] .
واليهود بشر من أولئك البشر الذين خلقهم الله، لهم قدر من الفاعلية، يزيد أو ينقص عن غيرهم من البشر، ولكنهم قط لا ينشئون الأحداث إنشاء بقوتهم الذاتية كما يزعمون لأنفسهم، وكما يقع في وهم المفزعين من مخططاتهم الشيطانية في العصر الأخير خاصة.
ولا أدل على هذه الحقيقة من أنهم يخططون ويدبرون منذ أكثر من عشرين قرنًا، ولكن نجاحهم في مخططاتهم كان دائمًا نجاحًا جزئيًا خلال التاريخ، وكانوا يخرجون من أكثر أعمالهم خاسرين، كما خرجوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما يرجع نجاحهم الحالي، الذي وصل إلى حد السيطرة العالمية لظروف معينة قدرها الله، سنشرحها في هذا الجزء من الفصل، لم يكن دور اليهود فيها هو الإنشاء، إنما كان هو استغلالها لصالحهم إلى أقصى حدود الاستغلال.
إن الحقيقة التي لا شك فيها أن اليهود يحسنون انتهاز الفرص واستغلال الأحداث.
ولا يرجع هذا إلى مزية عنصرية اختصوا بها، إنما هو نتيجة المعادلة الثلاثية التي أشرنا إليها من قبل، والتي تشكل حياتهم ودوافعهم ووسائلهم. كونهم أقلية مقهورة كتب لها أن تبقى ولا تفنى تحت الضغط لحكمة ربانية.
إنهم كالوحش المحصور داخل الجحر، عيناه دائمًا على الحارس الذي يمنع خروجه من الأسر، فإذا آنس غفلة من الحارس انطلق بكل قوته، منتهزًا فرصة هذه الغفلة، ومستغلًا لها إلى أقصى حد، قبل أن يفيق الحارس من غفلته ويعيده إلى الأسر من جديد.