وقد رأيت بنفسي أفاضل الأخوة - والذين يعدون قادة للرشاد وأئمة للهدى - رأيتهم وهم ينامون على الأرض، أو على بطانية واحدة، ولا يملكون من حطام الدنيا شيئًا من طعام أو شراب أو ملبس سوى ما يستر عوراتهم، وبعضهم يتوسد يده بالليل أو حذاءه، أو يتوسد الطبق الذي يأكل فيه نهارًا، أو يتوسد قالبًا من الطوب، وهم مع ذلك في سعادة غامرة لطاعتهم ربَّهم وما وفقهم إليه من الثبات على الحق والعبادة والطاعة، وما فتح عليهم من المعرفة الحقة بالله وأسمائه وصفاته، وهم في سعادتهم تلك كأنما حيزت إليهم الدنيا بما عليها، وتشعر وكأنهم يرددون قول القائل:"نحن في نعمة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف"، لا يهمهم من أمر الدنيا شيء، ولا يشغلهم إلا هَمُّ العمل للإسلام وتمكينه في الأرض، فتهتف قلوبهم:"في سبيل الله ما أحلى المنون".
وهؤلاء الذين ذكرناهم، استعذبوا الطريق ووجدوا له حلاوة أذهبت ألم الطريق ووعورته وصعوبته وعذابه، بل حولت، العذاب عذبًا، والمر حلوًا، والصعب سهلًا، والغالي رخيصًا، فرضاهم في رضا مولاهم الحق، ومحبتهم للشيء هي من محبته سبحانه له، فهم يسارعون إلى ما يحبه ربهم ويرضاه، وإن كان في ذلك فقدُ الدنيا بأسرها.
إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على وسني
وبعد ...
فهذه درجة عظيمة، من وفقه الله إليها فقد وُفِّقَ إلى خير عظيم، وأسأل الله أن يجعلنا من أهلها، إنه سميع مجيب.