هناك حقيقة شرعية يعلمها جميع الإخوة بغير استثناء؛ وهي أن بر الوالدين فريضة من أهم فرائض الدين، وأن عقوق الوالدين كبيرة من الكبائر.
والجميع يعلم أيضًا تلك الوصايا القرآنية المتكررة التي تحث على الإحسان إلى الوالدين ودرجة الإحسان فوق درجة العدل، بل إن الله تعالى قرن الإحسان بالوالدين بعبادته سبحانه مباشرة؛ {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا} ، ونهى سبحانه أن يقول المرء لأحد والديه كلمة"أف"، فما بالك بما فوقها؟!
ورغم ذلك نجد أن قلة من الإخوة حديثي العهد بالالتزم لا يقومون بهذه الفريضة الدينية، ولا أقول؛ يحسنون إلى والديهم، بل لا يعدلون معهم، بل يعقونهم، فقد تسمع عَمَّن يغلظ على أبيه في القول، ومن يرفع صوته عليه، ومن لا يطيعه في الواجبات والمباحات، بل قد تسمع عمن يشتم أمه أو ينهرها أو يسبها!
وإلى هؤلاء أقول:
إن بر الوالدين فريضة دينية كفريضة الدعوة والحسبة والجهاد والصلاة، وعقوق الوالدين كبيرة من الكبائر لا تقل بحال عن كبيرة الزنا أو السرقة أو غيرهما من الكبائر - بل قد تزيد - فلماذا تُجزئِّ الإسلام، وتقبل بعضه وترفض بعضه الآخر؟ وأنت الذي تعيب ذلك على العلمانيين وتملأ الدنيا ضجيجًا بقولك: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} ، وما بالك تنهى عن الشيء ثم تأتيه؟!
لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وإلى هؤلاء أقول أيضًا:
تذكروا أن الإسلام كرَّم الوالدين، حتى جوَّز لك أن تقطع صلاة السنن والنوافل لتجيب أمك أو أباك إذا نادى عليك وأنت تصليها.
وعلى هؤلاء أيضًا أن يتذكروا قصة جريج - عابد بني إسرائيل - مع أمه، والتي حكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي؟ فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي؟ فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج! فقال: أي رب! أمي وصلاتي؟ فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وكانت امرأةُ بغيٌ يُتَمَثَّلُ بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الراعي، فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا) .
فجريج كان يصلي صلاة من صلوات النوافل، فأبى أن يقطعها ويجيب أمه، وظن أن استكماله الصلاة النافلة أفضل من إجابة أمه وبرها، وفعل ذلك ثلاث مرات في ثلاثة أيام مختلفة، وهو في هذه الثلاث لا يرد عليها ولا يجيب، فدعت عليه، فاستجاب الله دعاءها، ليلقنه الله درسًا عظيمًا في ترتيب الأولويات في دين الله، وليعلمه أن بر الوالدين والإحسان إليهما أعظم وأفضل - في ميزان العبد يوم القيامة - من صلاة النوافل والمستحبات.