الصفحة 51 من 58

عليكم إخواني الكرام؛ أن تجددوا إيمانكم بين الحين والآخر، إن هذا التجديد ضرورةٌ لكل مسلم عامة، ولكل من يعمل للإسلام، خاصة إذ إن الأخ المسلم قد تشغله أعمال الدعوة وتدبير أمورها واحتياجاتها والتفكير في شأنها، أو قد تستغرقه أعمال الجوارح في العمل للإسلام، أو يستغرقه العمل في مواجهة الأعداء بكافة أساليب المواجهة التي شرعها الإسلام، قد تستغرقه كل هذه الأعمال عن عمل قلبه وإعطاء عمل القلب ما يستحق من الاهتمام، فالمسلم يسير إلى الله بقلبه لا بجوارحه في الأصل، وما عمل الجوارح للخير إلا انبعاث من صلاح القلب وهمته إلى الخير.

وقد يؤدي ذلك التقصير فيعمل القلب أن يَنْقُصَ حظ الأخ من معاني الإيمان الباطنة مثل الإخلاص لله، حتى أن الأخ يفتقد ما كان عليه من إخلاص في بداية التزامه، وقد ينقص حظ الأخ من الصدق واليقين والزهد والتوكل والخشية والإنابة والاستسلام والمحبة، حتى أن الأخ قد يتمنى بعد فترة؛ أن لو كان حالة القلب تعود كما كانت عليه في أول التزامه مع الإخوة.

كل ذلك يأتي نتيجة إهمال عمل القلب، فتجد الأخ بعد فترة يكثر من فضول الكلام، ويكثر من المباحات وفضول الأشياء؛ مثل فضول الطعام، والخُلْطَةِ في غير مصلحة دينية، ويكثر من النوم والكسل، ولا يسعى لتنظيم وقته، ويهدر كثيرًا من أوقاته في غير فائدة أو مصلحة شرعية - وإن كانت في نفس الوقت ليست في حرام أو مكروه - وهذا كله، وإن كان في المباحات إلا أنها تتم بتوسع شديد ودون أدنى عائد ديني - أو حتى دنيوي -

والسبب في هذا التقصير هو إهمال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي يدعو فيه كُلَّ مسلمٍ - مهما كان مستواه الإيماني وعمله ومكانته في الجماعة المسلمة - لتجديد الإيمان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جَدِّدُوا دينكم) ، وأكثر قسمه: (لا ومقلبِ القلوب) .

وقد وجدت كثيرًا من الانتكاسات التي يمر بها بعض العاملين للإسلام، أو الوقوع في لجة الشهوات أو الشبهات التي قد تقع من بعضهم؛ إنما أساسها ومردها للتقصير في مسألة تجديد الإيمان هذه، وهي مسئولية مشتركة بين الفرد والقائد والجماعة المسلمة نفسها.

وكم رأينا أناسًا وَصَلُوا في الالتزام بالإسلام والعمل له مرحلة طيبة، وقطعوا فيه شوطًا لا بأس به من عمرهم؛ ثم نكصوا على أعقابهم وارتدوا على أدبارهم، وما ذلك كله إلا نتيجة حتمية للتقصير في عمل القلب، فكيف يسير إلى اللهِ وقلبُه قد توقف عن السير، وتعطل في الطريق، ونفد زاده الذي كان معه ولم يتزود بغيره؟! إن زاد قلبه السابق قطع معه مرحلة من مراحل سفره إلى الله، ثم نفد هذا الزاد؛ فهلك ذلك العبد في مَفَاوِزَ مُهْلِكَةٍ من ضلالة الشبهات ودناءة الشهوات.

بل إن كثيرًا من الأعراض التي تنتاب بعض العاملين للإسلام في منتصف الطريق من حب الدنيا، أو غلبة الأثرة بعد الإيثار، أو الجشع والطمع بعد الزهد والورع، أو الجفوة والغلظة على المؤمنين بَعْدَ الشفقة والرحمة بهم، أو موالاة الظالمين بعد موالاة المؤمنين، أو العجب بالنفس والكبر على الغير بعد التواضع، أو الشموخ بنفسه - وجعل نفسه قضية ينازِعُ عليها ويخاصِمُ من أجلها - بعد الإخلاص؛ كل هذه الأعراض وغيرها - التي قد تنتاب البعض في منتصف الطريق - يعود كثير منها إلى تقلص عمل القلب، ونقص حظه من معاني الإيمان، التي لا يحيا القلب دونها، ويعود سبب ذلك كله؛ إلى إهمال مسألة تجديد الإيمان من قبل الفرد ومن قبل قائده والجماعة نفسها، لأن كلَّ أولئك مشتركون في هذه المسئولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت