الصفحة 31 من 58

إذا صدق العبد مع ربه، وأخلص لله في دعوته، فإن ذلك ينعكس على دعوته وعلى المدعوين الذين يرون بأعينهم، ويستشعرون بقلوبهم، ويحسون بنفوسهم صدق هذا الداعية يرون ذلك في نفسه المطمئنة التي تعلوها السكينة والرضا والإخبات، ويرون ذلك في ووجهه؛ فالعينان صادقتان، واللسان والشفتان كذلك، حتى الابتسامة صادقة، ووجه كله بخلجاته وسكناته صادق كذلك.

فالمدعوون يرون في وجه الداعية الصادق مع ربه المهابة والنور والبهاء، ويرون جوارحه كلها قد علاها الخشوع والوقار، حتى أن المدعو لينظر إلى وجه الداعية فيقول؛ هذا رجل صادق، قبل أن يسمع كلامه أو يحاوره أو يناقشه.

ألا ترى إلى ذلك الرجل الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (أنت محمد بن عبد الله؟) ، قال: (أنا الذي يزعمونني ذلك) ، قال: (والله ما هذا الوجه بوجه كذاب) .

وأنت أخي المسلم كلما كان ميراثك من النبي صلى الله عليه وسلم ومن صدقه وإخلاصه وإيمانه وعمله عظيمًا، كلما كان حظك من هذا المعنى عظيمًا.

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يورث دينارًا ولا درهمًا، إنما ورث دعوة تُبلَّغ، وعلمًا تربي عليه نفسك وغيرك، وورث هدىً وتقوى وإيمانًا وخشوعًا وإخلاصًا ويقينًا، وكلما كان حظك من ميراث النبوة عظيمًا، كان اهتداء الناس على يديك بأيسر سبيل ومن أقصر طريق.

فهذا المدعو؛ قد يلتزم بالإسلام والعمل به وله بمجرد رؤيته لك، وآخر؛ يهديه الله بمجرد جلوسك معه دقائق معدودات، وثالث؛ يهديه الله على يديك لمجرد أن سلم عليك وسلمت عليه أو أكلت معه أو حتى ابتسمت له، ورابع؛ يهديه الله على يديك بعد أن جالسك ساعة أو أقل قليلًا في سفر.

ألا ترى أن عداسًا مولى عتبة بن ربيعة أسلم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سمع كلمتين اثنتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هما"بسم الله"، نطق بهما الرسول الكريم، قبل أن يمد يده إلى قطف العنب الذي جاء به عداس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علم أنه نبي أكب عليه يقبل يديه ورجليه، ويعلن انضواءه تحت راية الإسلام الحنيف.

ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وضع يده على قلب ذلك الشاب الذي كان يحب الزنا ويريد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له فيه، فبعد أن انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم من رفع يده من على قلبه ودعا له بالعفة والعفاف؛ أصبح الزنا أبغض شيء إلى ذلك الرجل بعد أن كان أحب شيء إليه.

وكذلك المشرك الذي جاء من مكة إلى المدينة ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريض من صفون بن أمية، فلما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من أمره مع صفوان قال: (أشهد أنك رسول الله) .

وغيرهم، وغيرهم كثير ممن يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، فتقع محبته في قلوبهم، ويضحوا بعد ذلك بالغالي والرخيص والنفس والنفيس فداء للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

وأنت كلما كان ميراث النبوة لديك كبيرًا، كان لك حظ وافر من ذلك كله، فرؤية وجهك قد تكون سببًا في الهداية، ودعاؤك للمدعو قد يكون سببًا في نقله من حال إلى حال، بل وابتسامتك كذلك دون أن تحتاج أن تكلم المدعو ساعاتٍ أو أيامًا تستغرقها لتشرح له فكرك - كما يقولون - أو تبين له آراءك في شتى المسائل الهامة، فبضع دقائق منك كفيلة بأن توصل إلى قلب المدعو بعضًا من نور هدايتك وميراثِ النبوة الذي يملأ قلبك وأن تشحن بطارية إيمانه الفارغة من بطارية إيمانك العامرة.

إن المؤمن ليزداد ميراثه من النبوة حتى يفوح عبير إيمانه وإخلاصه وصدقه، فلا يقف عند المكان الذي يعيش فيه أو الزمان الذي كان يحيا فيه، بل يمتد أثره على الأجيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت