الصفحة 32 من 58

ألا ترى أن أمثال مصعب بن عمير وزيد بن حارثة وعمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق وغيرهم من الصحابة؛ ما زالت ترن كلماتهم في آذان الأجيال المتعاقبة حتى يومنا هذا وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وكل ذلك وهم في قبورهم! ألا ترى أننا نعيش بقلوبنا وشعورنا وكل أحاسيسنا مع خالد بن الوليد حينما نقرأ سيرته، ونشعر ساعتها وكأننا نعيش معه في ميدان القتال ونحارب معه ونجاهد معه، ألا ترى أن مجرد قراءتنا لسيرته تبعث في النفوس همة الجهاد، وتجعل المرء يستعذب الشهادة في سبيل الله، ويكاد يطير شوقًا لذلك اليوم الذي يلقى فيه الأحبة؛ محمدًا صلى الله عليه وسلم وصحبه.

فتُرى ما السر في هذا الرجل حتى يكون له ذلك التأثير العجيب في النفوس، في سيرته فحسب، فكيف لو كنا رأيناه وقاتلنا تحت رايته؟ إن الزمان بقرونه الأربعة عشر لم يمح أثر ذلك الرجل العظيم، وكأنه ما زال حيًا يقاتل على صهوة جواده، ويكتسح دولتي الفرس والروم.

وهذا عمر بن عبد العزيز حفيد عمر بن الخطاب كلما قرأ الواحد منا سيرته؛ خشع وبكى، وعاش مع هذا الرجل وكأنه حي يجالسه ويكلمه، وأحب أن يعيد قراءة سيرته مراتٍ ومراتٍ دون ملل.

وكل هؤلاء وغيرهم - ممن على شاكلتهم - قد أخلصهم الله بخالصةٍ ذكرى الدار، وأصبحوا - وهم في قبورهم - دعاةً إلى الحق وهداةً إلى صراط الله المستقيم، تهتدي الأجيال على أيديهم وهم أموات كما اهتدت وهم أحياء، وأبى الله إلا أن يكرم أولياءه أحياءً وأمواتًا وفي الدنيا والآخرة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وأسأل الله أن ننال ولو شيئًا منه.

فاحرص على هذا المعنى تكن من أهله، فمن فاته ذلك الموطن العظيم وتلك الدرجة الرفيعة فقد فاته خير كثير، إن الرجل ليصدق مع ربه ويخلص في سعيه من أجل التمكين للإسلام فيصدق معه كل شيء، حتى أنه لا يصدق معه عمله ولسانه وجوارحه وجهاده ودعوته وأمره ونهيه فحسب، بل يصدق معه سيفه وسلاحه وعدته وعتاده.

كما جاء في سيرة ابن هشام: أنه لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله - بعد غزوة أحد - ناول سيفه لابنته فاطمة وقال لها: (اغسلي عن هذا دمه يا بنيه، فوالله لقد صدقني في هذا اليوم) ، وناولها علي بن أبي طالب سيفه فقال: (وهذا فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقني اليوم) , فقال رسول الله: (لئن كنت صدقت القتال، لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة) .

وإنما يكون صدق السيف بصدق صاحبه، و"إنما السيف بضاربه".

وقد أعجبني في ذلك أحد الشعراء المحدثين، حين قال: (ليس لسيف صلاح الدين، سوى زند صلاح الدين، وقلب صلاح الدين ... ذلك العبد المفتقر إلى الله تعالى) .

فسيوف علي بن أبي طالب وأبي دجانة وسهل بن حنيف تختلف عن كافة السيوف، لقد اكتسب السيف الصدق والإخلاص من صاحبه، وكذلك سيف صلاح الدين.

فقد نجد اليوم سيفًا، ولكننا لا نجد أمثال هؤلاء الصادقين ليجعلوه صادقًا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت