الصفحة 41 من 58

قيام الليل مدرسة العاملين للإسلامِ

من من العجيب أن ترى رجلًا يعمل للإسلام ولا حظ له من قيام الليل! كيف تكون هذه المعادلة الصعبة؟!

إن قيام الليل ضرورة أساسية لكل مسلم، فكيف بمن يعمل للإسلام ويحمل تبعات الدين الثقيلة - من دعوةٍ وحسبةٍ وجهادٍ وصَدْعٍ بالحق؟! - ألم يقل الله في كتابه: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلًا * نصفه أو انقص منه قليلًا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا} .

لماذا كل هذا يا رب؟ فتأتي الإجابة سريعًا في القرآن؛ {إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} .

أمانةً صعبة، وتكاليف شاقة، وأوامر تحتاج إلى عزمات قوية وهمم عالية، إنها أمانةٌ أبت السموات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها، وأُلْقِيَتْ على كاهل الإنسان، فمن ذا الذي يطيق القيامَ بواجباتِ الدعوة والتربية والحسبة والجهاد دون أن يكون له زادٌ يتزود به ويستعين به على قطع الطريق إلى الله؟ إنه سينقطع في منتصف الطريق، ويهلك في المفازة قبل الوصول.

إن مدرسة قيام الليل؛ هي أعظم مدرسة يتربى فيها المسلم، ويتعرف فيها على ربه، ويعرف من خلالها أسماء الله وصفاته بكل ما تعني الكلمة من معاني، إنها مدرسة الخشوع والخضوع والتذلل والإنابة لله عز وجل، ومن أجل ذلك فإن جميع الشرائع - بغير استثناء - كان قيام الليل جزءًا منها.

ولْتعْلَمْ أخي المسلم؛ أن ذُلَّكَ بالليل هو سبيل عزتك بالنهار، وسجودَك وخضوعَك بالليل هو سبيل كرامتك بالنهار وسبيل نصرك على أعدائك وتوفيقك في دعوتك واحتسابك وجهادك.

لقد ظل سليمان الحلبي يقوم الليل ويدعو الله شهرًا كاملًا في الجامع الأزهر قبل أن يقتل"كليبر"، وهو في ذلك كله يتبتل إلى الله ويدعوه أن يوفقه في قتل عدو الله"كليبر"، ولم يكن معه وقتها من العدة والعتاد سوى خنجرٍ واحدٍ لا يملك غيره! ورغم ذلك وفقه الله توفيقًا عظيمًا، وقتل الله على يديه أشهر قواد فرنسا بعد"نابليون"وقائد الحملة الفرنسية وقتها، وأصاب آخرين مع"كليبر"، منهم كبير مهندسي الحملة الفرنسية، وكل ذلك قام به ذلك البطل المسلم وحده في مقر قيادة الحملة الفرنسية، أي في عقر دار"كليبر".

أما صلاح الدين الأيوبي؛ فقد أدرك بحسه الإسلامي المرهف، ومعرفته الدقيقة لدين الإسلام، أن قيام الليل من أهم أسباب النصر على الأعداء، وأن خِلْعَةَ النصر لا تكون إلا مع ولاية الذل - كما يقولون - وأدرك أن قيام الليل هو سلاحٌ ماضٍ في الحرب لا يوجد له مثيلٌ عند الأعداء، ومن أجل ذلك كان يمر على خيام جيشه بالليل فإذا رأى خيمةً من الخيام لم تنل حظًا من قيام الليل أَيْقَظَهم وعَنَّفَهم وقال: (أخشى أن نؤتى من هاهنا الليلة) .

وهذا فهم رفيع للإسلام الحنيف، فصلاح الدين يعتبر هذه ثغرة خطيرة أخطرَ من ثغرات الحصون والقلاع، وأن العدو يمكن أن يَنْفُذَ من تلك الثغرة.

رحمك الله يا صلاحَ الدين! حقًا إن المسلمين لا ينتصرون على عدوهم بعدد ولا عدة، ولكن بهذا الدين الذي أكرمهم الله به، وبطاعتهم ومعصية عدوهم وإن مفتاح النصر إنما يكون في الخشوع والخضوع لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت