إن أعداء الإسلام قد حُرِمُوا حُجَّةً يدافعون بها عن باطلهم، ومن أجل ذلك فإن إجابتهم على دعوة الحق؛ هي صَبُّ صنوف البلاء والعذاب على أهل الحق، فهذه هي إجابتهم التي لا يُحْسِنون غيرها، ويعتمدون عليها دائمًا إذا أعْيَتْهم الحيل في رد الحق.
وبهذا الجواب أجاب فرعون على موسى: {لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين} ، وبه أجاب فرعون على سحرته الذين آمنوا: {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين} ، وبه أجاب قوم إبراهيم على إبراهيم عليه السلام: {حَرِّقُوه وانصروا آلهتكم} ، وبه أُجِيب على يوسف عليه السلام: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجُنُنَّه حتى حين} .
وبه أجاب أميه بن خلف على بلال بن رباح وهو يهتف من قلبه: (أحدٌ، أحدٌ) ، فعذبه وضربه بالسياط في حَرِّ مكة، ووضع الحجر على بطنه، وبه أجيب على عمارٍ ومصعبٍ وخبابٍ وابنِ مسعود والصديقِ أبي بكرٍ ... بل ورسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
وبه أجيب على أحمد بن حنبل حينما رد على فرية خلق القرآن، فأجيب بالضرب وبالسياط وبالسجن والتعذيب، وبه أُجيبَ على ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.
وبه أجاب أهل الفسق والكفر والردة على الدعاة إلى الله والعاملين لنصرة دينه في زماننا هذا.
فهذا هو جواب أعداء الإسلام، وهذا هو منتهى كيدهم، وآخرُ سهم في جعبتهم، وهذا الذي يحسنونه للدفاع عن باطلهم والذود عن علْمانيتهم.
فإذا ما أجابوكم بذلك، وثَبَتُّم على الحق، وصبرتم على البلاء؛ فإن ذلك يهدم جميع خططهم، ويرد كيدهم في نحورهم، ويُفْشِلُ - بالكلية - تدبيرَهم ومكرَهم، إن ثباتكم وصبركم واعتصامكم بالله عز وجل - في حد ذاته - يُعَدُّ انتصارًا للإسلام وهزيمةً لأعدائه.
فكيف يا ترى يكون حالُ الأعداء إذا شعروا أن سهمهم قد طاش، وسعيهم قد خاب، وأن تدبيرهم قد ذهب أدراج الرياح، وأن مكرهم أضحى إلى زوال؟! كيف يكون حال هؤلاء الأعداء؟ إذا علموا أن هذه الإبتلاءات تزيدنا قوةً إلى قوةٍ، ونقاءً إلى نقاءٍ، وصلابةً إلى صلابة، وأنهم كلما اشتدوا في إيذاء أهل الحق والتنكيل بهم، خرجت أجيالٌ أقوى وأصلب وأحكم وأعقل، وتَرَبَّتْ تلك الأجيال على الأخذ بالعزائم، وترك الترخُّص والإقلال من المباحات، أجيال تُطَلِّقُ الدنيا طلقةً بائنةً لا رجعة فيها.
وفي هذا المعنى كلام جميل لأخ كريم - وقد أعجبني هذا الكلام جدًا - حيث يقول:(تُرى ماذا يكون حال أعدائنا إذا علموا أن كيدهم لا يُضْعِفُ القلبَ بل يقويه، ولا يَكْسِرُ العَزَمات بل يشد منها، ولا يَحُطُّ الهِمَمَ بل يرفعها ويعليها؟!
ماذا يكون حالهم إذا علموا أننا نكون أقرب إلى الله عندما يشتد البلاء، وأنه كلما اشتد البلاء واحتشدت جموع الأعداء، كان القلب عندها ساجدًا عند ربه، عازمًا على الاستمرار بلا ضعف ولا وهن، سائلًا مولاه أن يخلصه من كل ما يكرهه وأن يتولاه ويحفظه؟!
وأي غيظ يغتاظونه عندما يعلمون أنهم صاروا مطية نركبها لنقطع عليهم شوطًا لابد منه، إنه شوط التنقية والتصفية؟!
وماذا ينفعهم غيظهم هذا؟! {قل موتوا بغيظكم} ، فإنه {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} )أهـ.
إن ثباتكم على الحق، وصبركم على الابتلاء كفيل بهزيمة أعداء الإسلام - ليس من الناحية الفكرية والنظرية فحسب - بل إن هذا الثبات والصبر سيهزمهم، كيانًا وبنيانًا ودولة ونظامًا أيضًا.
إن صبر وثبات الثلة المؤمنة الصادقة من أهل الحق؛ كفيل أن يهدم الدولة العلمانية من القواعد فيخر عليهم السقف، وذلك بعد هزيمة فكرها ونظرياتها ومبادئها.