الصفحة 8 من 58

ألا ترى أن ثبات أبي بكر الصديق وصبره يوم الردة كان هو السببَ الرئيسي في درء فتنة الردة؟ التي كادت أن تأتي على الأخضر واليابس في جزيرة العرب، وقد عمت الردةُ كلَّ الجزيرة العربية باستثناء ثلاث مدن فقط - هي مكة والمدينة وجواثا بالبحرين - ولذا تسمعون كثيرًا قول القائل: (ردةٌ ولا أبا بكر لها) .

بل إن هذا الثبات العجيب الذي تحلى به الصديق رضي الله عنه في تلك الظروف العصيبة هو الذي زلزل عروش المرتدين وهزمهم، رغم ما كان لهم من إمكانيات مادية وبشرية هائلة وما كان معهم من جيوشٍ جرارة، حتى إن أبا هريرة - وهو مَنْ هو - كان يقول - وهو يعي ما يقول جيدًا: (والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استُخْلِفَ ما عُبِدَ الله) ، قال ذلك لأصحابه، وكرره ثلاثًا، فقالوا له: (مه يا أبا هريرة!) .

ألا ترون أن ثبات وصبر الإمام أحمد بن حنبل على السجن والتعذيب وضرب السياط أمام فتنة خلق القرآن التي اجتاحت بلاد المسلمين وقتها، وكادت أن تغير عقيدة السلف الصالح؛ كان سببًا في هدم تلك الفرية وزوال شرها وإبطال كيد أصحابها، وهم مَنْ؟ هم مِنْ أصحاب السلطة والنفوذ من الخلفاء والوزراء وأتباعهم وأشياعهم.

وقد كان لثبات ذلك الإمام الجليل بمفرده الأثر العظيم في كتابة حياة جديدة لعقيدة الأمة، بعد أن كادت تُغتال على أيدي حفنة من الضالين المبتدعين، فقد قيل للإمام - حينما قدم على المعتصم لامتحانه في مسألة خلق القرآن - قيل له: (إن أمير المؤمنين قد حلف أن لا يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربًا بعد ضرب) ، وفي اليوم الثالث اختلى به المعتصم شخصيًا، وحدثه أنه شفيقٌ عليه كشفقته على هارون ابنه، ولكن الإمام أحمد أجابه بمثل إجاباته السابقة، ولم يتراجع عن شيء منها على الإطلاق، فلما ضجر المعتصم قال للإمام: (عليك لعنة الله لقد طَمِعْتُ فيك! خذوه) ، وأمرهم أن يخلعوا ملابسه دون الإزار، ثم شدوا وثاقه ثم ضربوه بالسياط، وكان عدد الجلادين الذين يضربونه كبيرًا جدًا، وكانوا يتناوبون الضرب عليه، وكان أحدهم ينخسه بقائم سيفه وهو يقول له: (تريد أن تغلب هؤلاء كلَّهم؟!) ، وكانوا يضربونه كل يوم حتى يسقط مغشيًا عليه ويكررون ذلك في اليوم التالي، وقد أحدثت سياط الجلادين آثارًا عظيمة على جسد الإمام الذي كان شيخًا كبيرًا وقتها، حتى إن الرجل الذي ذهب ليعالجه من جروحه - بعد ذلك - قال: (والله لقد رأيت مِنْ ضربِ ألف سوط، ما رأيت ضربًا أشد من هذا) ! حتى إن آثار السياط ظلت باقية على ظهر ذلك الإمام الجليل حتى مات.

ومن أبلغ ما حدث مع الإمام أحمد رحمه الله في هذا الأيام؛ أنه كان يخشى سقوط سراويله، وظهور عورته، أثناء ذلك العذاب، أمام تلك الجموع الغفيرة التي كانت تشهد تعذيبه، وكان يكثر الدعاء أن لا تنكشف عورته، فاستجاب الله له في ذلك.

وهذه القصة - رغم بساطتها - كان لها أبلغ الأثر عليَّ وعلى كثير من الأخوة الذين مروا بتجارب تتشابه في بعض فصولها مع ما حدث مع الإمام أحمد رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت