سيقول لي البعض: إنني حديث العهد بالالتزام بالإسلام، وأخاف أن لا أثْبُتَ أمام الإبتلاءات الكثيرة، أو لا أصبر عليها!
فأقول لمثل هذا الأخ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله) ، وقوله: (ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه) .
من تعاطى أسباب الصبر؛ رزقه الله الصبر، ومن تعاطى أسباب الوهن والجزع والخذلان؛ أصيب بما تعاطى أسبابه، {وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} .
فعليك أخي المسلم بالمصابرة، فصابر نفسك فترة من الزمان، ستجد أنها أصبحت بعد ذلك من النفوس الصابرة، بل الراضية إن شاء الله.
ولقد قال أحد السلف: (سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فما زلت أسوقها حتى انساقت إلىّ وهي تضحك) .
أما إذا اشتدت عليك المتاعب، وازداد عليك البلاء، وكثرت عليك المصائب، وحدثتك نفسك الأمارة بالسوء أن تركن إلى الدنيا - ولو لفترة - أو وجدت نفسك الأمارة بالسوء تمردت عليك؛ فعليك أن تسُوسَ هذه النفس حتى تُسْلِم قيادها لك ويسلس أمرها معك، وتستجيب لأمر الله وهي راضيةٌ بعد أن كانت كارهةً، إذا أردت ذلك فقل لها:
يا نَفْسُ، لقد قطعت جزءًا كبيرًا من مشوارك وسيرك إلى الله، فلم يبق إلا اليسير، فاصبري عليه
يا نفس، لا تضيعي سابقَ عملِك الصالح، وسهر الليالي والأيام، وتعب السنوات في سبيل الله، في لحظة طيشٍ، إنما النصر صبر ساعةٍ، فاصبريها، فمقام البلاء كمقام الضيف، فيا سرعة انقضاء مقامه، ويالذة مدحه وثنائه في المحافل على المضيف الكريم، ويا أقدام الصبر اعملي فما بقي إلا القليل.
وعليه أن يفعل مع نفسه كما فعل بشر الحافي مع أحد تلامذته الذين سافروا معه، فعطش الرجل في الطريق، فقال له: (نشرب من هذه البئر) ، قال بشر: (اصبر إلى البئر الأخرى) ، فلما وصلا إليها قال: (البئر الأخرى) ... فما زال يعلل كلما جاء إلى بئر قال له: (البئر الأخرى) ، ثم التفت إليه فقال له: (هكذا تنقطع الدنيا) .
ويقول لنفسه: ها قد لاح فجر الأجر وانجاب ليل البلاء، ومُدح الساري بقطع الدجى، فما طلت شمس الجزاء إلا وقد وصل إلى منزل السلامة - كما يقول ابن الجوزي رحمه الله -
وقد أعجبتني كلمة عظيمة للإمام أحمد رحمه الله، فقد كان يردد: (إنما هو طعام دون طعام، وشراب دون شراب، وإنها لأيام قليلة) ، وهذه الكلمات القليلة تحتاج إلى كثير من التدبر والتفكر
ثم يقف مع نفسه وقفة أخرى ليقول لها: أما ترين أهل الدنيا يصابون بمصائب وبلايا أكثر من مصابك بمرات، ثم هم لا يؤجرون على ذلك ولا يرزقهم الله الصبر عليها، وهم عادة في هم وغم وضيق واكتئاب، بل وجنون، من تلك المصائب، أما سمعتِ مرةً بسيارة غرقت بأسرة كاملة، ماتوا جميعًا؟ فأين مصيبتك من مصيبة هؤلاء؟! إن أكثر ما تصابين به، أن يقتلكِ الأعداء وهذا شرف لكِ وليست مصيبة، بل هي حياة وما أغلاها من حياة! ثم إِنكِ لم تشعري بألمٍ أو وجعٍ من ذلك، فما هي إلا رصاصةٌ أو رصاصات تخترق جسدَكِ، ولم تشعري بشيء إلا كمس القرص - كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم -
ثم يقول لنفسه: ماذا يمكن أن يصيبكِ من عدوك؟! أن يسجنوك شهرًا أو شهرين أو عامًا أو عدة أعوام، أو حتى العُمُرَ كله، فيكفيكِ شرفًا أنكِ قضيتِ عمركِ في سبيل الله، ويكفيك شرفًا أن تكوني على درب يوسف عليه السلام وقد ارتمى في السجن بضع سنين!