إننا نرى الآن أعدادًا هائلة من الإخوة الملتزمين بالإسلام، حتى أنك قد ترى في القرية الواحدة مئات من الإخوة! وبالرغم من هذه الأعداد الهائلة؛ فإنك إذا ذهبت تعد الذين يعملون للإسلام بجدٍ واجتهادٍ وعزيمةٍ، ويَصْدُقُ عليهم فعلًا مسمى العاملين للإسلام، إذا ما ذهبت تعدهم فلن يجاوزوا العشرات، بل إنك قد تستطيع أن تعدهم بسهولة وتعرفهم بأسمائهم.
فأين هذه الآلاف المؤلفة من العمل والبذل والعطاء؟! أين هم من ميادين الدعوة والحسبة والجهاد؟!
إنهم يلعبون دور المتفرج فحسب ويكتفون بذلك، لأنهم اكتفوا بدرجة انتقالهم من الجاهلية إلى الالتزام بالإسلام، ثم بعد ذلك توقفوا عند هذه الدرجة فلا يريدون مفارقتها إلى درجات أخرى، أو حتى بدرجة إعداد أنفسهم للبذل والعطاء في مجالات العمل الإسلامي المختلفة.
وإذا سألت أحدهم عن عطائه للإسلام وعمله في سبيل الدين وما قدمه للجماعة المسلمة منذ التزامه وحتى اليوم؟ نجد أنه مستمع فقط، فهو يحضر الحلقات واللقاءات والمؤتمرات ويقرأ البيانات والمنشورات التي تصدر وكفى، أي أنه سلبي لا عطاء له، حتى أنك قد تجده أيضًا في غاية التقصير في مجال إعداد نفسه من النواحي المختلفة، فقد يمر عليه عام أو أكثر ولم يقرأ سوى كتاب أو كتابين من الكتب الإسلامية التي يجب على مثله أن يقرأ مثلها قراءة متقنة في أسبوع واحد على الأكثر!
إن هذه المشكلة تضيع على الإسلام والدين آلاف الطاقات التي كان يجب أن تتفجر في ميادين العمل الإسلامي المختلفة؛ في الدعوة والحسبة والجهاد.
إن هؤلاء الذين لا يعطون للإسلام إلا الفضلة من أوقاتهم، والقليل من أموالهم، والضعيف من جهودهم، هؤلاء لابد أن يدركوا جيدًا؛ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وكما أن الله لا يقبل الرديء من الطعام إذا تصدقت به، فكذلك لا يقبل منك الرديء من العمل إذا اخترت أن تعطيه للإسلام، {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} .
إن الإسلام يريد منك جل وقتك، وأكثر مالك، وزهرة شبابك، إنه يريدك كلك، يريدك في وقت نشاطك لا في وقت خمولك، يريدك في وقت شبابك وقوتك وصحتك وعنفوانك قبل هرمك، إنه يريد من كل شيءٍ منك أطيَبَهُ وأحسنَه وأجلَّه وأعظمَهُ.
ألا ترى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه تصدق بماله كله في سبيل الله وعلى دعوة الإسلام، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (وماذا تركت لأهلك يا أبا بكر؟) ، قال: (تركت لهم الله ورسوله) .
ألا ترى عثمان بن عفان جهز"جيش العسرة"- تبوك - وحدَه, ولكم أن تتصوروا أن رجلًا واحدًا يجهز جيشًا كاملًا - بسلاحه وعتاده وعدته وخيله ودوابه وزاده - وقد كان عدد الجيش يربو على عشرة آلاف مقاتل! ولك أن تربط بين هذا العطاء العظيم وواقعنا الحالي، إذ إن الأغنياء من المسلمين كثير جدًا - بل وبين الإخوة أيضًا - وبالرغم من ذلك لا نجد الآن من ينفق على الدعوة الإسلامية - لا أقول في محافظة أو مدينة أو قرية - ويتحمل تبعات الدعوة من الناحية المادية، وأنا أقول الدعوة ولا أقول في الجهاد! - إذ الأخير يحتاج إلى أموال طائلة لا حصر لها - ورغم ذلك قد لا تجد مثل ذلك الأخ.