إن الدعاء سلاح عظيم قد تغفل عنه الحركة الإسلامية في كثير من الأحيان, فضلًا عن أن الدعاء في حد ذاته عبادةٌ من أفضل العبادات - كما نص على ذلك الحديث -
فهو سلاح لا يخطئ أبدًا، وسهم لا يخيب أبدًا، وهو حصن حصين يلجأ إليه الفرد المسلم والجماعة المسلمة من كيد الكائدين وبطش الباطشين وجبروت المتجبرين.
فمن تسألُ إن لم تسأل الله عز وجل؟! ومن تطلب إن لم تطلب ممن بيده كل شيء؟! وإلى من تلوذ إن لم تلذ بجناب الله جبار السموات والأرض ومالكهما بمن فيهما، والذي يقول للشيء؛ كن، فيكون؟!
فبالذكر والدعاء يأوي المسلم عامة والعاملون للإسلام خاصة؛ إلى ربهم ومولاهم، كما يأوي العبد المذعور إلى حرم سيده وما أكثر حاجات العاملين للإسلام لربهم في معاشهم ومعادهم، ودنياهم وأخراهم، ودعوتهم وحسبتهم، وأمرهم ونهيهم، وحركتهم وجهادهم، وعسرهم ويسرهم، وشدتهم ورخائهم، وحربهم وسلمهم.
فإذا ما شمرت الجاهلية عن ساعد العداوة والبغضاء للإسلام وأهله، وشهرت كل أسلحتها في مواجهتهم، فيجب على الجماعة المسلمة - حينئذٍ - أن لا تغفل أبدًا عن سلاح الدعاء الماضي البَتَّار.
ولتعلم الجماعة المسلمة؛ أن شمعة النصر إنما تنزل في شمعدان الانكسار - كما قال ابن القيم - ورسوله الكريم، ظل يستغيث ربه يوم بدر ويدعوه ويلح في الدعاء، حتى سقط رداؤه، وأبو بكر يقول له: (يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك) ، فانطلقت سهام الدعاء تنزل على المشركين وتزلزل عروشهم {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} .
أما يوم الهجرة، فقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين من سهام الدعاء على سراقة، فكان فرسه يغوص في الأرض مع كل سهم يطلقه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ليقوم من كبوته لولا وعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بتركهما يمضيان لشأنهما.
وإذا اعتاد المسلم الإكثار من الدعاء وذكر الله؛ فإن الله يستجيب له لا محالة، وقد قيل؛ من يطرق الباب يكاد يفتح له.
وكان عمر بن الخطاب يقول: (إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه) .
ولعله استقى ذلك من قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم} .
وكان يحيى بن معاذ يقول: (من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يَرُدَّهُ) .
وابن القيم رحمه الله تعالى يقول: (إذا اجتمع عليه قلبه، وصدقت ضرورته وفاقَتُهُ، وقوي رجاؤه، فلا يكاد يرد دعاؤه) .
فالدعاء سبب لكل خير، فهو سبب للنصر والفرج، وهداية الخلائق، والتوفيق في كل مجال من مجالات العمل الإسلامي من دعوة وتربية وحسبة وجهاد.
فبالدعاء أنجى الله نوحًا عليه السلام ومن معه من المؤمنين، وأغرق الكافرين؛ {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرن الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كُفِر} .
وبالدعاء أنجى الله يونسَ عليه السلام من بطن الحوت من بين ظلمات ثلاث؛ {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} .
وبالدعاء كشف الله الضر عن أيوب: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} .