الصفحة 46 من 58

وبالدعاء أنجى الله موسى من فرعون وملئه؛ {فخرج منها خائفًا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين} ، ووفقه في دعوته لفرعون وملئه، وثَبَّته أمام ذلك الطاغية العتيد وملئه المجرمين وهو موقف صعب وشاق ولا يدرك صعوبته حقًا إلا أهل الصدع بالحق في كل زمان ومكان؛ {رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي} ، وبالدعاء أهلك الله فرعون وملأه، ودمر عليهم، ومكن لبني إسرائيل في الأرض: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم * قال قد أجيبت دعوتكما} .

والأمثلة غير ذلك كثيرة وكثيرة تفوق الحصر.

وبالجملة؛ فالدعاء سبب لجلب الخير، ودفع الشر، ونزول الرحمات، وتفريج الكُربات، وحصول النصر والتمكين.

مُلاحَظَاتٌ هَامَّةٌ عَنْ سِلاحِ الدُّعَاءِ:

ونحن - أخي الكريم - لسنا بصدد الحديث هنا عن شروط وآداب وصيغ الدعاء وما يتعلق بذلك من مسائل مختلفة، فليس هذا مكانها، كما أن الجميع يعلمونها ويعرفونها جيدًا، ولكني أوجه الأنظار هاهنا إلى بعض الأمور العملية الهامة في مسألة الدعاء بِرُمَّتِها.

ومن هذه الأمور؛ ينبغي على الأخ المسلم أن يقدم الدعاء وطلب التوفيق والنصرة من الله بين يدي كل عمل من أعماله، مهما كان العمل صغيرًا، وإذا اعتاد الأخ المسلم ذلك فإن التوقيت سوف يحالفه في كل عمله إن شاء الله، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسألون ربهم إذا انقطع شسع نعل أحدهم.

فإذا أردت أن تدعو شخصًا للالتزام؛ فادع الله أن يهديه على يديك، وإذا ذهبت لتدعو إلى الله في قرية أو مدينة؛ فادع كذلك، وإذا جهزت خطة للدعوة؛ فأكثر من الدعاء لهذه الخطة بالبركة والنفع، وإذا تجهزت للقتال؛ فادع ربك أضعاف أضعاف ما فعلته في أمور الدعوة، وابتهل إلى الله أن ينصر الإسلام وينصرك، ويبارك لك في قتالك وجهادك.

هناك مظاهر خطيرة إذا رَأَيْتُها أدْرَكْتُ أن الجماعة لم تتسلح بعدُ بسلاح الدعاء، وأدركتُ أن خطرًا حقيقيًا يتهدد الجماعة المسلمة، فإذا رَأَيْتَ أكثر الإخوة في بلدك - مثلًا - يلعبون الكرة في آخر ساعة من نهار الجمعة، أو يتسامرون في هذه الساعة، أو يتحدثون في أمور الدنيا وشواغلها، أو في مسائل لا ينبني عليها كثيرُ عملٍ أو يمكن تأجيلها بضعة أيام أو أسابيع دون ضرر، أو ينشغلون في مطالب دنيوية يمكن تأخيرها، إذا رأيت ذلك ولم تجد هؤلاء الإخوة ينشغلون في هذه الساعة الكريمة الشريفة التي هي من ساعات الإجابة بالدعاء والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم - إذا رأيت ذلك؛ أدركت أن هؤلاء قد ضيعوا أعظم أسلحتهم في معركة مع أعدائهم، وأدركت أن ثمة خطأً أو تقصيرًا في تربية هؤلاء التربية الإيمانية الصحيحة، وأنهم لم يعرفوا بَعْدُ شرفَ هذه الأوقات وقيمتها، وأن في ضياعها ضياعًا لخير كثير وربح عظيم لا يُعَوَّضُ أبدًا.

ونفس هذه المعاني تتكرر؛ إذا رأيت جمعًا من الإخوة يفعلون مثل ذلك في يوم عظيم مثل يوم عرفة، وخاصة إذا أفطروا فيه ولم يصوموا.

وكذلك إذا تكررت في العشر الأواخر من شهر رمضان - وخاصة ليالي الوتر فيها - إذ إنه يَحْسُنُ بكل من يعمل للإسلام أن يشغل هذه الليالي كلها قدر الإمكان، بالصلاة والعبادة والذكر والدعاء والطاعة والتسبيح، وأن يفرغ نفسه فيها من كل ما سوى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت