إن نصر الله غال ولا يتنزل على كل أحد من المسلمين، وإنما ينزله الله على طائفة مخصوصة لها صفات خاصة.
وهذه الطائفة قد أعدها الله لنصره وهيأها لأمره، وصنعها على عينه، ورباها سبحانه تربية خاصة بحيث تكون جديرة بالتمكين في الأرض، ولتكون أهلًا لإقامة الدين على ربوعها
وهذه الطائفة المنصورة؛ هي تلك التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) .
وهذه الطائفة الظاهرة على الحق؛ لم تكن يومًا لتنتصر على أعدائها بكثرتها العددية، بل هم دومًا قليلٌ، وأهل الإيمان في كل زمان لا ينتصرون على عدوهم بعدد ولا عدة، ولكن ينتصرون بهذا الدين الذي أكرمهم الله به، كما قال عبد الله بن رواحه يوم مؤته: (وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به) .
بل إنك إذا استعرضت جميع معارك المسلمين مع عدوهم، وجدتهم دائمًا أقل بكثير من عددهم عددًا وعدة.
وصدق أبو بكر الصديق الذي كتب إلى عمرو بن العاص قائد جيشه بقوله: (سلام عليك! أما بعد فقد جاء في كتابك تذكر ما جمعت الروم من الجموع، وإن الله لم ينصرنا مع نبيه، بكثرة عدد ولا بكثرة جنود، وقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معنا إلا فَرَسان وإن نحن إلا نتعاقب الإبل، وكنا يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معنا إلا فرس واحد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركبه، ولقد كان يظهرنا ويعيننا على من خالفنا واعلم أن أطوع الناس لله أشدهم بغضًا للمعاصي، فأطع الله ومر أصحابك بطاعته) .
إن سنن الله لا تحابي أحدًا، فللنصر أسباب وللهزيمة أسباب، فمن وفقه الله لأسباب النصر نصره الله, ومن لم يوفق إليها فلا يلومن إلا نفسه، {ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به} .
فإذا أرادت الجماعة المسلمة أن تنتصر على أعدائها؛ فإنها لابد أن تتخذ أسباب النصر كما اتخذها الصحابة رضوان الله عليهم وكذلك من تبعهم بإحسان.
ولو أخذنا نفتش عن أسباب النصر بالتفصيل، فإن هذه الصفحات لن تتسع لذلك، ولكن علينا أن ننظر إجمالًا في تلك الأسباب التي كانت وراء تلك الانتصارات العظيمة التي تحققت على أيدي الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، فقد روي في السيرة أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يثبت لهم عدو فواق ناقة عند اللقاء.
حتى إن هرقل عندما كان في أنطاكية وقدمت الروم منهزمة، قال لهم: (ويلكم! أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم: أليسوا بشرًا مثلكم؟!) ، قالوا: (بلى) ، قال: (فأنتم أكثر أم هم؟!) ، قالوا: (بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن) ، قال: (فما بالكم تنهزمون؟!) ، قال شيخ من عظمائهم: (من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنَّا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب ونظلم، ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض) ، فقال: (أنت صدقتني) .
فقد لخص الشيخ الرومي بحنكته أسباب النصر وأسباب الهزيمة، وبيَّن هذا الرومي أن جيش المسلمين قد أخذ بأسباب النصر كلها، وأن الروم قد أخذوا بأسباب الهزيمة كلها.
فنصر الله من يستحق النصر وخذل من سواه.