الصفحة 30 من 58

وقد بيًّن تلك الأسباب أيضًا أحد جواسيس الروم الذين أرسلهم"القبقلار"لاستطلاع جيش المسلمين، وذلك عند قدومه لفتح بلاد الشام، فقد قال هذا الجاسوس بعد عودته للـ"قبقلار"- واصفًا له جيش المسلمين: (بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زني رُجم، لإقامة الحق فيهم) ، فقال له"القبقلار": (لئن كنت صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، وَلَوَددت أن حظي من الله؛ أن يخلي بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم ولا ينصرهم علي) .

وقد بيَّن أسباب النصر والهزيمة أيضًا؛ أحد أصحاب"طليحة الأسدي"عندما رأى الأخير كثرة انهزام أصحابه في المعركة، فقال: (ويلكم! ما يهزمكم؟!) ، قال رجل منهم: (أنا أحدثك ما يهزمنا، إنه ليس من رجلٌ إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وإنا لنلقى قومًا كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه) .

وأوضحها أيضًا أحد جواسيس الروم الذي أرسلهم بِطْريقُ دمشق، وذلك عند قدوم جيش المسلمين ناحية الأردن، فقد قال الجاسوس للبطريق: (جئتك من عند رجال دقاقٍ، يركبون خيولًا عتاقًا، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، لو حَدَّثْتَ جليسك حديثًا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر) ، فالتفت بطريق دمشق إلى أصحابه، وقال: (أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به) .

ولعلك تدرك كيف كان جيش المسلمين ينتقل من نصر إلى نصر، وتدرك أيضًا أسباب هذه الانتصارات إذا أخذنا عينة من ذلك الجيش، وتفحصنا حالة كل جندي من جنوده.

فقد ذكر ابن جرير في تاريخه: أنه لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بِحقٍّ معه فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال الذين معه: (ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه) ، فقالوا له: (هل أخذت منه شيئًا؟) ، فقال: (أما والله لولا الله ما أتيتكم به) ، فعرفوا أن للرجل شأنًا، فقالوا: (من أنت؟) ، فقال: (لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه) ، فأتبعوه رجلًا حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس.

وذكر ابن جرير أيضًا: أنه لما قُدِمَ بسيف كسرى على عمر رضي الله عنه، ومنطقته وزبرجه، قال: (إن أقوامًا أدوا هذا لذووا أمانة) ، فقال عليٌ رضي الله عنه: (إنك عففت فعفَّت الرعية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت