الصفحة 5 من 58

سَلِّمُوا المبيعَ لصَاحبه

لقد بعتُم أنفسكم لله عز وجل، وليس أمامَكُم إلا خيارٌ واحد، هو أن تسلموا المبيع لمن اشتراه، {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} .

وإذا استلم المشتري المبيع؛ فليصنع به ما شاء، وليضعه حيث يشاء، فإن شاء وضعه في قصر، وإن شاء وضعه في سجن، وإن شاء ألبسه فاخر الثياب، وإن شاء جعله شبه عارٍ إلا مما يستر عورته، وإن شاء جعله غنيًا، وإن شاء جعله فقيرًا معوزًا، وإن شاء مدَّ في عمره، وإن شاء علقه على عود مشنقة، أو سلط عليه عدوه فقتله أو مَثَّل به.

أَفَيَحْسُنُ لمن باع شاةً أن يغضب على المشتري إذا ذبحها، أو يتغير قلبه لذلك؟!

ألم تسمع عما حدث لأسد الله وأسد رسوله حمزةَ ابن عبد المطلب؟ لقد بُقِرَت بطنه، وأُخْرِجَت كبده، ومُثِّل به، وكذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين استشهدوا في غزوة أحد بُقِرت بطونهم، وجُدِعت أنوفُهم وآذانُهم، بل إن هند بنت عتبة ومن معها من نساء قريش اتَّخَذْنَ من أنوف الصحابة وآذانهم خلاخل وقلائد لهن، وكانت هند بنت عتبة قد أعطت خلاخيلها وقلائدها وقرطها لوحشيٍ قاتلِ حمزة، مكافأةً له على ما فعله.

بل ألم تسمع بما جرى للرسول صلى الله عليه وسلم نَفْسِه في غزوة أحد؟! لقد وقع لِشِقِّه، وشُجَّ وجهه الشريف وكُسِرت رباعيته، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم عاش يتقلب من الابتلاء إلى الابتلاء.

وصدق ابن الجوزي حينما قال: (أو ليس الرسول صلى الله عليه وسلم يحتاج أن يقول: من يؤويني؟ من ينصرني؟ ويفتقر إلى أن يدخل مكة في جوار كافر، ويُلقى السلا على ظهره، وتُقْتَل أصحابهُ، ويداري المؤلفةُ قلوبهم، ويشتد جوعهُ، وهو ساكن لا يتغير، ثم يُبْتَلى بالجوع فيشد الحجر على بطنه - ولله خزائن السموات والأرض - وتُقْتَلُ أصحابهُ ويُشَجُّ وجهُه، وتُكْسَرُ رباعيته، ويُمثَّل بعمِّه، وهو ساكت، ثم يُرْزَقُ أبنًا ويُسْلَبُ منه، فيتعلل بالحسن والحسين فيُخْبَرُ بما سيجري عليهما، ويَسْكُنُ بالطبع إلى عائشة رضي الله عنها فيُنَغَّصُ عيشُه بقذفها، ويبالغ في إظهار المعجزات فيُقام في وجهه مسيلمةُ والعنسيُّ وابنُ صيادٍ، ويقيمُ ناموسَ الأمانةِ والصدق فيقال: ساحرٌ كذابٌ، ثم يَعْلَقُه المرضُ كما يُوعَكُ رجلان، وهو ساكنٌ ساكتٌ، فإن أَخْبَرَ بحاله فليُعَلِّمَ الصبر ثم يشدَّد عليه الموتُ فيسلب روحه الشريفة، وهو مضطجع في كساء مُلَبَّدٍ وإزارٍ غليظٍ، وليس عندهم زيتٌ يُوقَد به المصباحُ لَيْلَتَئِذٍ) .

وعليك أخي الكريم؛ أن تتأمل الأنبياء والرسل عليهم السلام، وهم صفوة الخلق وأكرمهم عند خالقهم وأحبهم إليه سبحانه، فقد أُلْقِيَ في النار إبراهيمُ عليه السلام، ونُشِر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، ومكث أيوب في البلاء سنوات فَقَدَ فيها ماله وولده، وسجن في بطن الحوت يونُسُ، وبيع يوسفُ بثمنٍ بخس وكانوا فيه من الزاهدين، ولبث في السجن بضع سنين، كل ذلك وهم راضون بقدر الله وراضون عن ربهم ومولاهم الحق.

وقد كان بعض السلف يقول: (لو قُرِضَ جسمي بالمقاريض أحبُّ إلى من أن أقول لشيء قضاه الله؛ ليته لم يكن) .

وكان آخر يقول: (أَذْنَبْتُ ذنبًا أبكى عليه منذ ثلاثين عامًا) - وكان قد اجتهد في العبادة - قيل له: ما هو؟ قال: (قلت مرة لشيء كان؛ ليته لم يكن) .

فكن أخي من هؤلاء الذين لا يزاحم تدبيرُهم تدبيرَ مولاهم، ولا يناهض اختيارُهم اختيارَه سبحانه، فهؤلاء لم يتدخلوا في تدبير الله لملكه بـ"لَوْ كان كذا لكان كذا وكذا"، ولا بـ"عسى"و"لعل"و"ليت".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت